caza-zgharta.com                                             article

 

مشروع محطة التزلّج في إهدن
أضرار بيئية كثيرة بفوائد اقتصادية قليلة !

كل مشروع في لبنان يثير مجموعة من التساؤلات والالتباسات والشكوك. من هذه المشاريع مشروع محطة التزلح في اهدن الذي يؤيده كثيرون، فيما يعارضه آخرون. في ما يأتي دراسة للمهندس رياض غزالة (عضو مجلس نقابة المهندسين في طرابلس) عن هذا المشروع يركز فيها على النواحي السلبية. علما ان النهار بنشرها هذه الدراسة لا تتبنى كل ما ورد فيها، اذ ليس القصد اتخاذ موقف مسبق من المشروع، بل فتح باب النقاش عنه وحوله، وخصوصا انه مهم وحيوي لمنطقة مميزة من لبنان.

في الثلث الاخير من ولاية الرئيس سليمان فرنجية، كلفت المديرية العامة للتنظيم المدني المكتب الاستشاري السويسري ACAU، صاحب الخبرة العالمية في تصميم ودراسة محطات التزلج في أوروبا وإيران وغيرهما، اجراء دراسة تمهيدية لمشروع تزلج في منطقة حرج اهدن التابع لمشاع البلدة الواقعة في شمال لبنان، ودراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع المذكور. في شهر ايار من العام 1975، وبعد إجراء مسح ميداني للمنطقة، قدّم المكتب المذكور تقريره النهائي الذي يشكل لغاية اليوم الدراسة العلمية الاكثر دقة الموضوعة عن المنطقة المذكورة. وقد تناولت الدراسة انشاء محطة للتزلج في المنطقة التي تمتد من منطقة الجافية عند حدود المنطقة الحرجية ( 1750متراً عن سطح البحر ) حتى منطقة معبور الحطب ( 2400 متر كعلو أقصى ) وجور القباض ( 2561 متراً كعلو أقصى )  مروراً بعين يحمورة وزاروب ابو اسكندر، وذلك على السفح الغربي للقرنة السوداء، بينما تقع محطة الارز للتزلج على السفح الجنوبي الشرقي للجبل عينه، وعلى مسافة أقل من ستة كيلومترات من الموقع المذكور والمسمى بموقع حرج اهدن- عين يحمورة. وقد نصّت الدراسة على انشاء سبعة مدارج للتزلج، منها القصيرة والشديدة الانحدار ( طولها 1500 متر وانحدارها 30 الى 35 % وعددها اثنان ) والمتوسطة ( طولها 3000 متر وانحدارها حوالى 25% وعددها اثنان ) والخفيفة الانحدار ( طولها 4000 متر وانحدارها حوالى 20% وعددها ثلاثة )  ويقع القسم السفلي من المدارج السبعة ضمن النطاق الجغرافي لمحمية حرج اهدن، حتى أنها تنتهي كلها عند حدود المنطقة المحرجة من المحمية.

وقد ورد في الدراسة أنه بعد صدور القانون رقم 47/71، أصبحت المشاعات الممسوحة باسم عموم الاهالي من الاملاك البلدية الخاصة في حال كانت موجودة ضمن النطاق البلدي، ويحق لهذه البلديات الغاء أو تعديل حق التصرف بقسم من هذه الاملاك مع ضرورة الحفاظ على حقوق الغير، كما يحظر بيعها.

و لما كان صدر القانون الرقم 121 عام 1992 قضى بانشاء محمية طبيعية في منطقة حرج اهدن، بات من المستحيل تنفيذ المشروع المذكور  إذ أن معظم الانشاءات من فنادق ومقاهٍ وقسم من مدارج التزلج يقع ضمن النطاق الجغرافي للمحمية.

تواريخ ومراحل

في العام 1993، قام رئيس الحكومة رفيق الحريري يرافقه وزير الشؤون البلدية آنذاك سليمان فرنجية يرافقهما بعض المتمولين من أبناء المنطقة بزيارة الى منطقة حرج اهدن والمنطقة المجاورة لها، أعيد على أثرها إحياء فكرة انشاء مشروع محطة التزلج مع الاخذ في الاعتبار وجود المحمية، على أساس أن يقوم متمولون كبار من أبناء المنطقة والاغتراب بتمويل المشروع وتنفيذه، بينما يقوم السياسيون بالاجراءات القانونية الضرورية لانجاحه.و بناء عليه، ونظرا الى الحاجة الى مدارج جديدة غير تلك الملحوظة في الدراسة السابقة، صدر القرار الرقم 2/94 تاريخ 19/1/1994 والذي ينص على أن يحدد النطاق العقاري لبلدة اهدن ( بلدية زغرتا- اهدن ) من الرقم 1 الى الرقم 27 والمحدد باللون الاحمر على الخريطة المرفقة. وبعد خمسة أيام فقط من صدوره، صدر عن القائم بأعمال بلدية زغرتا اهدن المنحلة، قائمقام قضاء زغرتا بالتكليف، كتاب رقمه 2/ص تاريخ 24/1/1994 ورد فيه :

الموضوع : اعطاء أرقام وتسجيل عقارات باسم بلدية زغرتا اهدن

المرجع : قرار معالي وزير الشؤون البلدية والقروية رقم 2/94 تاريخ 19/1/1994

استنادا الى القرار المشار اليه في المرجع اعلاه والمرفق ربطا والقاضي بتحديد النطاق العقاري لمدينة اهدن... الى الرقم 27 وخصوصا ما هو غير محدد سابقا، نرجو التفضل بالموافقة  والاحالة على حضرة القاضي العقاري في الشمال لتكليف دائرة المساحة في الشمال بالاطلاع وارسال مساحين لاعطاء القسم غير المحدد سابقا رقماً جديدا باسم بلدية زغرتا اهدن وفقا للقرار أعلاه والذي يبدأ من عين يحمورة المحاذي للعقار الرقم 4748 فصاعداً، وذلك وفقا للخرائط المرفقة والمبينة عليها الحدود باللون الاحمر ( ربطا مستند ثبوتي بحدود مدينة اهدن ) .

وقد أرسل الكتاب في اليوم نفسه الى قائمقامية زغرتا، التي أحالته على محافظ لبنان الشمالي في اليوم نفسه للموافقة واحالته على القاضي العقاري في الشمال لاعطاء الطلب مجراه القانوني ( كتاب رقم 17/ب تاريخ 24/1/1994 ).

و قد سجل الكتاب في اليوم عينه في قلم المحافظة، بحيث أحيل عبر دائرة البلديات على القاضي العقاري حيث ما زال الطلب مجمداً لغاية اليوم ( مع الاشارة الى أن النطاق البلدي الجديد المطلوب تحديده يبلغ حوالى 24 مليون متر مربع تضاف الى النطاق القديم البالغ 25 مليون متر مربع تقريباً ) , اذ انه قد فات بعض المستشارين متابعة الموضوع لعدم ضلوعهم في الامور القانونية أو لانشغالهم بأمور أخرى، في النتيجة فان الموضوع لم يأخذ مجراه القانوني لغاية اليوم.

في الوقت عينه، صدر عن القائم بأعمال بلدية زغرتا القرار الرقم 6 تاريخ 21/1/1994، باعتبار ان العقارات من الرقم 4741 حتى الرقم 4751 الممسوحة كمشاع لعموم أهالي اهدن هي املاك بلدية خاصة، والطلب من سلطة الوصاية الموافقة والاحالة على أمانة السجل العقاري في الشمال لاجراء اللازم كي يصار الى تسجيلها وتصبح هذه العقارات املاكا بلدية خاصة لبلدية زغرتا اهدن. وقد احيل أيضا بسرعة قياسية على المراجع المختصة. ونشير الى أن مالكي منطقة بتلايا المجاورة للمحمية تلقوا يومها عروضا مغرية من أوساط مقربة من رئيس الحكومة لشراء أراضيهم فرفضوا الامر.

وبعدها حصلت خلافات بين السياسيين المعنيين، فتجمد المشروع وتفرق العشاق.

في فترة التحضير للانتخابات البلدية عام 1998، أعيد احياء المشروع من جديد ودخل دائرة التجاذب بين اللوائح المتنافسة، بحيث تعهدت لائحة الوزير فرنجية بتنفيذ المشروع نظرا الى منافعه الاقتصادية الكثيرة على البلدية من واردات وفرص عمل، بينما عارضت لائحة التجمع البلدي المستقل المنافسة المشروع الذي طرح يومها ( مشروع عدن 2000 للمهندس حبيب سلامة ) لاسباب تتعلق بالبيئة والتلوث ولشموله مساحة كبيرة من البناء.

بعد فوز لائحة الوزير فرنجية، صدر  عن المجلس البلدي في زغرتا القرار الرقم 9- ب/99 بتاريخ 19/2/1999 القاضي بالموافقة على دراسة انشاء مشروع للتزلج يقام على الاملاك البلدية العامة في منطقة اهدن العقارية وتأليف لجنة استشارية مهمتها دراسة المشروع وايجاد الاطارين القانوني والاداري المناسبين له، وقد تبلغت البلدية موافقة وزارة الشؤون البلدية والقروية بتاريخ 10/11/1999.

على الاثر، أعلنت البلدية عن استدراج عروض من نوع D.B.O.T. لتطوير النطاق البلدي  المذكور وجعله مركزا سياحيا، على أن تسلم العروض  قبل 9/8/2000 .

و بعد دراسة العروض المقدمة واستبعاد بعضها، رست الموافقة على شركة EUROPTIMA . وتجدر الاشارة الى ان المجلس البلدي كان يضم في صفوفه حينها أحد أصحاب الشركة المذكورة وهو مهندس ( كان عضو في اللجنة التي كلفها المجلس البلدي دراسة المشروع )، بالاضافة الى مهندس آخر من الموظفين في الشركة أيضا ( كان مكلفا مع رئيس البلدية بالتنسيق مع الشركات المهتمة بالمشروع ). وقد قيل يومها أنهما تغيبا عن جلسة فض العروض نظرا الى تضارب المصلحة الشخصية مع المصلحة العامة، الا أنهما كانا يشكلان نصف عدد المهندسين الذين يضمهم المجلس البلدي، مما أضعف كثيرا الجهاز الفني الهندسي الذي درس العروض، وأثر على موضوعية القرارات المتخذة. يذكر ايضا أن المجلس البلدي الجديد يضم أيضا عضوين موظفين في الشركة المذكورة غير الشخصين السابقين أحدهما مهندس، وهو بات المهندس الوحيد في المجلس الجديد الموكول اليه أمر الاشراف على تنفيذ المشروع!

تفاصيل العقد

و من يومها، وفي ظل جو من التعتيم الاعلامي الشديد لعدم اثارة معارضي المشروع، وتحت شعار انماء إهدن، بدأت تنفذ تباعا حلقات مشروع ضخم، ظاهره انمائي، في حين انه مشروع عقاري وسياحي كبير، ينفذ تحت ستار انشاء مشروع محطة للالعاب الشتوية والتزلج.

نصّ المشروع على أن تقوم الشركة المذكورة باعطاء قروض بقيمة اجمالية تبلغ مليون ونصف مليون دولار أميركي لترميم 400 شقة سكنية في اهدن من أجل تأجيرها في فصل الشتاء، وتبقى الشقق بتصرف الشركة خلال الشتاء لحين سداد القروض، كما تدفع الشركة مبلغاً مقطوعاً قيمته ثلاثمائة ألف دولار أميركي سنويا للبلدية، مع نسبة مئوية تبلغ 3% من مجموع مداخيل التيليكابين، وتبلغ مدة العقد 39 سنة .

لا يلحظ المشروع استخدام الطريق الحالية الا لاعمال البناء في مرحلة التنفيذ، والوصول سوف يتم بالتيليكابين فقط الى مدارج التزلج والانشاءت التي ستُبنى إذ سيتم بناء فندق من 150 سريرا وعدة شاليهات في المنطقة المرتفعة من المشروع.

معالم المشروع

من يومها بدأت معالم المشروع تظهر على مراحل وأهمها:

- توسيع طريق مستديرة القصر الجمهوري البعول التي سوف تسلكها مئات الشاحنات اثناء تنفيذ المشروع.

- طريق المطل الدواليب التي نفذها أحد أعضاء كارتل البنزين المنتقل حديثا الى ميدان التعهدات بدعم مباشر من احدى الجهات السياسية الداعمة للمشروع، وهي نُفّذت قبل المباشرة باستملاك الاراضي. وقد تبين بعد بداية تسرب معلومات عن المشروع المقترح أنها تؤمن الوصول الى نقطة انطلاق التيليكابين في منطقة البويضة حيث سيُبنى مجمع  سكني رئيسي يضم فندقاً من 200 سرير وشاليهات خاصة تؤمّن حوالى 300 سرير، مع مواقف لألف سيارة ( تم استئجار قطع ارض مساحتها مئة ألف متر مربع من الرهبانية الانطونية )، كما أنها سوف تتبع بوصلة ثانية تربط منطقة الدواليب بتلة تقع بجوار نبع مار سركيس مباشرة وتشرف على أهدن، تلزّم حتما بالتراضي للمتعهد نفسه، الذي قام ( قد يكون من باب الصدفة ربما... ) باستئجار هذه التلة ذات الموقع المميز من الرهبانية الانطونية أيضا ( مساحة العقار حوالى أربعين ألف متر مربع ) بمبلغ رمزي يبلغ ثمانية ملايين ليرة لبنانية سنويا فقط علما أن سعرها يبلغ ملايين الدولارات!! وكان سبق للمتعهد نفسه، أن استأجر قبل أكثر من سنتين عقاراً مجاوراً للتلة المذكورة وملاصقاً لمطاعم نبع مار سركيس، وقام بكل بساطة بفتح كسارة لنقل الردم الصخري لاكمال طريق الدواليب- المطل، حيث قام بتشويه أهم منطقة سياحية في اهدن من دون أن تتحرك البلدية السابقة. ولدى سؤال السكرتير العام للرهبانية عن الموضوع، أجاب أن حفر الارض تم لبناء ألعاب للاطفال...

- قام المتعهد عينه، وتحت ستار انشاء خزانات للمياه، بانشاء بناءين من الباطون المسلح على التلة المذكورة سابقا وحفر الطرق، وذلك دون أي ترخيص قانوني بالبناء، وبتواطوء كامل من البلدية السابقة ومن قوى الامن الداخلي التي لم تتحرك لقمع المخالفة رغم أنها على مرأى منها. وحاليا ثمة ترخيص بانشاء مجمع سكني ضخم  في الموقع، وذلك لدى المديرية العامة للتنظيم المدني ( نظرا الى ضخامة المشروع )، وسيتم حتما الترخيص له رغم أنه مخالف للقانون الرقم 121 الصادر عن مجلس النواب  القاضي بانشاء محمية حرج اهدن  ( يمنع القانون القيام بأي عمل أو تصرف يخل بتوازن المحمية الطبيعي، وذلك ضمن مسافة 500 متر  من حدود المحمية المحددة بجبل مار سركيس، علما أن التلة المذكورة تقع ضمن هذا الجبل )، ونظرا الى خطر تلويث نبع مار سركيس المجاور والواقع تحت مستوى المشروع في منطقة خالية من شبكة مجارير عامة. مع الاشارة الى أن  اعمال شق الطرق في هذه التلة قد تسببت بسد مجرى ماء رئيسي، سبق أن تسبب سابقاً بطوفان كبير نتجت منه أضرار كبيرة في أبنية سكنية تقع في منطقة الدواليب أكثر من مرة، وجرف مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية رغم وجود  مسارب لتدفق المياه فيه سابقا. أما الآن فهو مسدود كليا، مما ينذر حتما بوقوع كارثة عند تساقط الشتاء، مما يستدعي تحركاً سريعاً من المراجع المعنية.

- يقول أصحاب المشروع، ان المحافظة على البيئة وعلى محمية حرج اهدن أوجب عليهم تخفيف المساحة المبنية في المناطق المرتفعة، وتم تعويض النقص في الارباح الناتجة من ذلك بانشاء مشروع سكني آخر يقع غربي اهدن سيكون مربوطاً بالمشروع الاساسي، وهذا لم يكن ملحوظا في العرض الاساسي. وقد تبين أن المتعهد المحظوظ نفسه قد اشترى مساحة كبيرة تشرف على الساحل الشمالي تقع تحت مفترق بسلوقيت عند المدخل الغربي لاهدن . كما قام شقيقه  على مرحلتين بشراء عقار كبير في المنطقة عينها تزيد مساحته على ثلاثين ألف متر مربع ويقع على تلة تشرف على مفترق طريق الكورة  ( تم تسجيل قسم من العقار عام 1998، أما القسم المتبقي فتم تسجيله عام 2000 باسم شركة Ehden  Camping ) . وتمت عملية الشراء قبل أن يعلم أي من المالكين السابقين اي تفاصيل عن المشروع المقترح، لتأمين عملية الشراء بأدنى الاسعار.

- تجدر الاشارة الى أن رئيس لجنة محمية حرج اهدن، وهو معارض سابق للمشروع، انضم الى الجهاز الهندسي للشركة صاحبة المشروع منذ حوالى العام.

النتائج البيئية للمشروع

- ورد في دراسة للخبير الجيولوجي المرحوم الدكتور رينه القارح أن طبيعة الارض في المرتفعات الواقعة ضمن نطاق المشروع  هي طبقات كلسية شديدة التشقق وتحتوي شبكة كبيرة من القنوات الجوفية، فتشكل المياه التي تنساب الى الخزانات الجوفية حوالى 60% من مياه الامطار ومن مياه ذوبان الثلوج، دون أن تشكل الطبقات التي تخترقها المياه فلاتر لتنقية هذه المياه، وبالتالي فان أي تلوث سطحي يتسبب مباشرة بتلوث المياه الجوفية، وخصوصا أن المنطقة المذكورة تحتوي عدداً من قواميع المياه المنظورة منها ( كما هو مبين على الدراسة السويسرية ومعظمها يقع بين 2250 و2470 متراً ) وغير المنظورة ( فجوات سطحية يعلم بمكانها بعض أعضاء جمعيات استكشاف المغاور وبعض الرعاة فقط).

- استنادا الى الدراسة عينها، تعتبر المنطقة الخزّان الجوفي لكل ينابيع المياه الواقعة في جرود مناطق اهدن والضنية وبشري وحتى الهرمل، وبالتالي فإن أي تلوث قد يصيبها، سيؤدي الى كارثة بيئية ضخمة. ومن أبرز أسباب التلوث الممكنة :

المياه المبتذلة للانشاءات التي ستبنى، وخصوصا في المنطقة المرتفعة: ان الظروف المناخية القاسية في المنطقة تتطلب مواصفات عالية جداً، وهذا غير مضمون في ظل بلدية تعجز عن معالجة أمور شكلية وأبسط بكثير، ليس أقلها السماح بفتح كسارة عند نبع مار سركيس والعجز عن معالجة تلوث معظم العيون في اهدن. وأكبر خطر هو في المجمع الذي سيُبنى على مسافة 300 متر من نبع مار   سركيس على تلة تقع فوق مستوى النبع.

تلوث الهواء الناجم عن وسائل التدفئة ( شومينيه شوفاج ) ومولدات الكهرباء الضخمة التي سيجهز بها المشروع في أقسامه المختلفة، ومئات زلاّجات السكيدو التي ستغزو المنطقة، بالاضافة الى مركز حرق النفايات المنزلية الذي سيستحدث نظرا الى صعوبة المواصلات في فصل الشتاء والى عدم وجود طريق يصل الى الاقسام المرتفعة من المشروع.

ان أسباب التلوث المذكورة أعلاه  سيكون لها تأثير سلبي أيضا على الثروة النباتية الفريدة التي تمتاز بها المنطقة بما فيها حرج اهدن. فقد اثبتت دراسة للباحثين في علم النبات ميرنا سمعان وريكاردوس الهبر وجود نسبة مدهشة من النباتات المستوطنة التي لا توجد في أي مكان آخر في العالم، كما اثبتت أن التعديات البيئية الموجودة اليوم تهدد بزوال 67 نوعاً من  النبات، فكيف اذا ازدادت هذه الاخطار أضعافا مضاعفة؟ كما أن هذا التلوث سيطال الثروة الحيوانية، التي تتأثر سلبا أيضا بمشكلة الضجيج الناتج من مئات المحركات والمولدات وخطوط نقل المتزلجين الميكانيكية.

ان التلوث بالغبار وبالدخان المتصاعدين من مئات الشاحنات التي ستسلك طريق المشروع الترابية، في فترة تنفيذ المشروع التي ستمتد من اليوم ولغاية سنة،2008 سيكون له أثر مدمر على الثروات المائية والحيوانية والنباتية.

في الاعتبارات الاقتصادية

- تستوعب كل فنادق اهدن حاليا حوالى 500 سرير، بينما يطرح المشروع انشاء عدد مماثل في المركز الرئيسي للمشروع، بالاضافة الى المجمعين اللذين سيبنيان في مار سركيس وغرب اهدن و400 شقة سيتم تأهيلها. ونتيجة هذا الرقم الضخم، ستكون الاولوية بالطبع للمجمعات التي تحتوي مجمل مراكز اجتذاب الزبائن من مطاعم وملاهٍ ومراكز رياضية، مما ينعكس سلبا على أصحاب الشقق والفنادق، وبالتالي سيرهن عدد كبير من شقق اهدن لفترة طويلة.

- القول بأن المشروع سيخلق مئات فرص العمل لاهالي اهدن تدحضه الاحصاءات الحالية. فالدراسة الموضوعة عام 1974، أظهرت أن من بين حوالى 350 فرصة عمل يمكن ايجادها، سيتأمن 200 منها في الفنادق والمجمعات السكنية، و70 في المطاعم والملاهي والمتاجر، أما البقية فتتوزع على الادارة ووسائل نقل المتزلجين والمراكز الرياضية. فاذا أحصينا عدد  الموظفين في المراكز المماثلة الموجودة اليوم، نرى أنه بالنسبة الى الفنادق والملاهي والمطاعم، لا يتعدى عدد الموظفين من ابناء اهدن نسبة 20%، مما يجعل عدد فرص العمل لابناء اهدن لا يتجاوز المئة فعليا.

- تبلغ كلفة المشروع الاجمالية 70 مليون دولار أميركي، وقد بنيت الجدوى الاقتصادية بمعدل أحد عشر ألف متزلج في اليوم في عطلة نهاية الاسبوع، بينما الاحصاءات الحالية ( مجلة Commerce du Levant ) تقول إن محطات التزلج الست الحالية تستقبل خمسة عشر ألف متزلج في نهاية الاسبوع ( 5000 كحد أقصى في يوم مشمس في فاريا و1000 في الارز ). وتمتاز محطة فاريا عن المحطة المقترحة بقربها من بيروت (50كلم مقابل 115 كلم) وعدد مدارجها وطولها الاجمالي ( 80كلم مقسمة على 18 مدرجاً مقابل 57 كلم مقسمة على 15 مدرجاً ) بينما تمتاز محطة الارز بانحدار مدارجها ( انحدار 35 % مقابل انحدار لا يتجاوز 20 % خارج النطاق الجغرافي لمحمية حرج اهدن ). وهذا يدل على أن العدد الفعلي للمتزلجين المحليين لن يتجاوز في أحسن الاحوال الالفين. أما الفارق، فان أصحاب المشروع يعولون على تأمينه من المجموعات الآتية :

سكان طرابلس والشمال : تعتبر رياضة التزلج من الرياضات الكمالية نظرا الى ارتفاع كلفتها المقدرة بخمسين دولاراً أميركياً للشخص في اليوم الواحد ( نقل على المدارج انتقال للمحطة مأكولات - أدوات تزلج وألبسة ) أي مئتي دولار لعائلة من أربعة أشخاص في اليوم، مما يحد من امكان ممارسة هذه الرياضة من قبل الجمهور العريض، وعدد الهواة الحاليين من أبناء الشمال يدخل ضمن الخمسة عشر ألف متزلج  الحاليين.

المتزلجون الآتون من قبرص وسوريا وبلدان الخليج: تبين أن المحطات الموجودة حاليا لم تتمكن من جذبهم، وعددهم يدخل ضمن نطاق الاحصاءات الموجودة.

المغتربون اللبنانيون : يفضلون زيارة لبنان في فصل الصيف، خصوصا أنه في فصل الشتاء في لبنان يكون الطقس صيفا في معظم بلدان انتشارهم ( اوستراليا والبرازيل ) أو أشد بردا وتجهيزا لممارسة رياضة التزلج في بلدان أخرى ( أوروبا وكندا ).

السياح الاوروبيون: يصعب جذبهم لممارسة رياضة مكلفة نظرا الى ارتفاع الاسعار في لبنان ونظرا الى قصر مدة عطلتهم الشتوية.

وعليه فان عدد المتزلجين الفعلي سيكون أقل بكثير من العدد المقدر، وبالتالي فان تعويض النقص في الارباح سيتم التركيز فيه على النواحي العقارية والتجارية على حساب الاعتبارات الرياضية والسياحية، وذلك بزيادة مساحة البناء من سكن وترفيه لجذب نوع آخر من الزبائن، وبالتالي سيحيد المشروع حتما عن أهدافه الاصلية لتفادي الخسائر.

- القول إن المحطة قد تستقبل  جزءاً من الالعاب الشتوية الآسيوية هو مشروع طموح يستوجب بناء المزيد من  الانشاءت التي تزيد من أخطار التلوث. كما أن المشروع يلحظ نقل المتزلجين الذين يودون الوصول الى المناطق المرتفعة بالهليكوبتر، وهو حل غير عملي اطلاقا .

مسؤولية البلدية

ان امتناع البلدية السابقة عن عرض المشروع أمام العموم ومناقشته لم يكن في مصلحة المشروع بتاتا، بل ان انعدام الشفافية قد زاد من مخاوف المعارضين له، وفي الوقت نفسه لم يقدم المؤيدون له الحجج المقنعة للدفاع عنه، وهذا برسم المجلس الجديد، الذي عليه أيضا أن يجيب عن التساؤلات الآتية:

- كيف سيتم تصريف المياه المبتذلة في مختلف أقسام المشروع، وخصوصا أنها تقع في مناطق تفتقر الى شبكة مجارير؟

- كيف سيتم تأمين الكميات اللازمة والضخمة من الطاقة الكهربائية في بلدة عانت طويلاً ضعف خطوط النقل الرئيسية وضعف محطات التحويل؟

- كيف سيتم امداد مختلف اقسام المشروع بالمياه، وخصوصا مياه الشرب، ولا سيما أن الشركة السويسرية كانت قد أوصت إما بجرها من نبع مار سركيس ( الذي بات لا يكفي بلدة اهدن ) أو بحفر آبار جوفية في المناطق المرتفعة مما قد يخفض كميات المياه التي تغذي هذا النبع؟

- هل تملك البلدية فعليا القدرة على تعديل المشروع اذا تبين أن هناك حاجة لذلك لضرورات بيئية أو أقتصادية أو فنية؟ وهل تملك القدرة الفنية والاستقلالية الكافية لحسن الاشراف على تنفيذه، وخصوصا أن هناك بدائل للمشروع تؤمن الاهداف السياحية للمشروع وانماء اهدن ومصالح البلدية وتحافظ على الاعتبارات البيئية وتبقي مشاع اهدن في يد الإهدنيين ولا تعرض محمية الحرج لاي خطر محتوم؟

- ما هو مصير المشروع في حال وقوعه تحت خسائر كبيرة غير متوقعة، وما مصير الانشاءات التي تكون قد نفذت كليا أو جزئيا؟

-  من هي الجهة التي ستشرف على تنفيذ الاشغال في مختلف المراحل، وخصوصاً أن البلدية الحالية تفتقر الى الجهازين  الهندسي والفني المطلوبين، وهل سيلزم الاشراف الى شركة خاصة مما يرتب على البلدية أعباء مالية اضافية كبيرة؟

-  هل تعلم البلدية أخيرا أن عملية تحديد النطاق البلدي لم تأخذ مجراها القانوني بعد، والملف مجمد ولا أحد يراجع به، وخصوصا أن استكمال هذا الملف من الناحية القانونية يتطلب مرسوماً جمهورياً، لكي لا يبقى عرضة للطعن به أمام المراجع المختصة، خصوصا أن المشروع يمتد على حوالى أربعين مليون متر مربع من الارض؟

موقع المشروع.

اعداد المهندس رياض غزاله - (عضو مجلس نقابة المهندسين – طرابلس)