بعيداً عن الصراع السياسي الذي واكب "الاستحقاق الرئاسي" يستوقفنا الجهل الكبير الذي تميز به المدافعون عن تعديل الدستور واصرارهم على اعطاء الامثلة خصوصاً من دستور الجمهورية الفرنسية المستهدفة حالياً...
ليس في دستور فرنسا نص يمنع اعادة انتخاب رئيس الجمهورية لولاية جديدة ثانية كانت ام عاشرة...والمقارنة بين الدستور الفرنسي والدستور اللبناني تدعو الى الابتسامة وتفتقد الى الرصانة والمعرفة.
فالرئيس الفرنسي ليس بحاجة لتعديل الدستور كي يجدد. اما التمديد فهو انتاج لبناني (لمرة واحدة:" سطران ونصف السطر يقول الرئيس بري!"). فلا علاقة للتمديد بالنصوص الدستورية خصوصاً الفرنسية منها. لأنه في حال الطوارىء الكبيرة والاخطار الجسيمة التي يقول فيها التمديديون هناك المادة 16 التي تمنح الرئيس الفرنسي الصلاحيات المطلقة وتجعله يمسك، وحده، بجميع مقاليد الحكم. وقد حدث هذا مرة واحدة في تاريخ الجمهورية الفرنسية وذلك في ولاية ديغول الاولى في 23 نيسان 1961 وقد استمر هذا الاجراء حتى 30 ايلول أي لمدة خمسة اشهر وسبعة ايام عندما وضع حداً حاسماً لمحاولة العسكر الاستيلاء على الحكم وتهديد الجمهورية وساق المتمردين الى المحاكم التي لفظت عقوبة الاعدام والحكم المؤبد.
ونذكّر في هذه المناسبة قول ديغول الشهير الى العسكريين المتمردين:" ان خروجكم عن شرعية سلطات الجمهورية، يجعل منكم- مهما علت رتبكم ومهما كان عدد النجوم التي تكّلل قبعاتكم وتزهو على اكتافكم- جنوداً تائهين "soldats perdus" لا قيمة لكم ولا طاعة لأوامركم. نتساءل:أين المثقفين، أين الجامعيين بل أين الفرنكوفون في موكب رئيس القمة الفرنكوفونية التاسعة في بيروت!؟ لا نريد ان نصدق ان "الحثالة" تتربع في قصور الجمهورية واروقتها.
ثم انه على المرشح للرئاسة في فرنسا ان يقدّم الى المجلس الدستوري لائحة بتواقيع "العرابين" التي يجب ان تزيد على خمسماية "عراب منتخب" بين نائب وعضو مجلس شيوخ او رئيس بلدية شرط ان يتوزع العرابون على اكثر من ثلاثين محافظة وتعلن هذه الاسماء على الشعب قبل بدء العملية الانتخابية بسبعة عشر يوماً على الاقل! علماً ان فرنسا تقوم على ستة وتسعين محافظة يضاف اليها اربع محافظات "ما وراء البحار".
كان بامكان المدافعين عن التعديل الرجوع الى تاريخ الجمهورية الفرنسية فيجدون فيه اكثر من محطة خالف فيها الحاكم الفرنسي نصوص الدسيور بوقاحة لا مثيل لها.
ففي العاشر من كانون الاول سنة 1848 انتخب الامير لوي نابوليون بونابرت رئيساً للجمهورية الثانية وقال في خطاب القسم "سأكون اميناً على دستور الجمهورية وسأنفذ باخلاص وصدق وصية الشعب". وفي الثاني من كانون اول 1852 خالف الدستور وخان قسمه واعلن نفسه امبراطوراً على الفرنسيين واستمرت الامبراطورية الثانية حتى 4 ايلول 1870 أي بعد 18 سنة!
نعطي مثلاً ثانياً من تاريخ فرنسا لمخالفة الدستور. فالجنرال نابوليون بونابرت كان قنصلاً منتخباً لثلاثة سنوات (كان عدد القناصل ثلاثة) ثم مدد ولايته لعشر سنوات ثم اصبح قنصلاً مدى الحياة. ولكنه لم يكتف بذلك بل اعلن في 18 ايار 1804 انه اصبح امبراطوراً على الفرنسيين وطلب من البابا بيوس السابع ان يحضر لتتويجه في كتدرئية نوتر دام في باريس وعند حفل التتويج انتزع التاج من ايدي قداسة البابا ووضعه على رأسه وذلك في الثاني من كانون اول 1804. وبعد خمس سنوات وفي 6 تموز 1809 وضع الامبراطور البابا المذكور في الاقامة الجبرية لأنه رفض طلاقه من زوجته الامبراطورة جوزفين. وبعد سنة أي في 2 نيسان 1810 تزوج مرة ثانية بعد ان ارغم الكنيسة على طلاق زوجته الاولى. وفي 20 آذار 1811 وضعت له زوجته الثانية طفلاً ذكراً وريثاً واحتفلت الامة الفرنسية واقيمت الصلوات في جميع كنائس الامبراطورية التي كانت تغطي القارة الاوروبية.
لذلك لا يجوز اعطاء هذه الاهمية لتمديد ولاية الرئيس لحود لثلاث سنوات في بلد صغير اسمه لبنان وصلاحيات رئيس الجمهورية فيه تساوي صلاحيات رئيس بلدية مدينة فرنسية كبيرة وربما اقل! ان التاريخ، كما الارض، يبتلع ويهضم التجاوزات وبدون غصة. مسكين لبنان!
( طبيب)