|
تجارب شمالية
جادة تشكو من "مرتزقة" يشوّهون صورة المهنة
صـحافة طرابلس
"رئة" إعلامية
لمدينة مخنوقة
الصوت... وتعيش على "حافة" الوطن !
تحقيق باسم
البكّور
كما ان لبيروت صحافتها المنوعة، كذلك الامر
بالنسبة الى طرابلس، مع اختلاف المستويات والتوجهات والاهتمامات بين
صحافة العاصمة وصحافة الفيحاء، التي تعج فيها صحف ومجلات مختلفة تشكل
"رئة" اعلامية لمدينة هي اليوم "على حافة" الوطن.
|
طرابلسيون يطالعون صحفهم المحلية. |
صحف
سياسية صادرة في طرابلس.
|
ليوم السبت نكهة خاصة ومميزة في حياة عدنان (61
عاماً)، فهذا الرجل الطرابلسي الذي يعيش مع عائلته في بيروت منذ العام
1973، يخصص حوالى اربع ساعات من يوم السبت من كل اسبوع ليعود الى
مدينته الام روحاً وهموماً... وذكريات. ويتحقق له ذلك من دون ان يتكبد
"مشقّة" الذهاب الى عاصمة الشمال، بل تأتي هي اليه بكل مشكلاتها
وقضاياها "الصغيرة – الكبيرة" سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. اذ يتأبط
حوالى اربع او خمس صحف طرابلسية (تصله الى منزله الواقع في منطقة رأس
بيروت) في نهاية الاسبوع، قاصداً احد مقاهي شارع الحمراء ليجلس في
"زاويته" الخاصة، عائداً الى طرابلس عبر صحافتها العابقة برائحة مدينته
التي يحب وهموم اهلها الطيبين.
وكما يفعل عدنان (الطرابلسي) في بيروت، كذلك
يفعل آلاف المواطنين في العاصمة الثانية للوطن. اذ يقبل هؤلاء على
صحافتهم المحلية (الشمالية) بعطش الباحث عن مرآة يرى فيها صورته بكل ما
فيها من بشاعة... أو جمال.
بين التهميش
والاستقلالية
ثمة "زحمة" صحافية حقيقية في طرابلس اليوم.
وليس من المبالغة القول ان عاصمة الشمال اللبناني تحتل المرتبة الاولى،
بعد بيروت، بين المدن والبلدات اللبنانية في اصدارها الصحف والمجلات
السياسية وغير السياسية. اذ يزيد عددها اليوم على الخمسة عشر، بين
اسبوعية ونصف شهرية وشهرية. وهي تأخذ، بلا شك، طابعاً مناطقياً
(شمالياً)، مع تعدد الاهتمامات والتوجهات، سياسياً واجتماعياً وتربوياً
وسياحياً وانمائياً. فما الذي يجعل طرابلس تعج بالمطبوعات الصحافية، في
وقت تتراجع فيه المدينة دوراً وحضوراً على الصعيد الوطني العام في
المجالات كلها؟
يرى البعض ان الشعور بالتهميش السائد لدى
الشماليين عموماً والطرابلسيين خصوصاً هو الدافع الرئيسي لازدهار الصحف
المحلية في بلدات ومناطق شمالية عدة، ولا سيما في طرابلس التي
لها "حصة الاسد" من هذا التهميش "الرسمي". بحيث تضاءلت المساحة المخصصة
لاخبار طرابلس وقضاياها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في صحافة
بيروت الى حدها الادنى بشكل لا يتناسب مع كون هذه المدينة عاصمة ثانية
للوطن كله. وبات خبر من انطلياس او الشوف يتقدم على اخبار عاصمة الشمال
في معظم الصحف الصادرة في بيروت. الامر الذي يزيد عطش الطرابلسيين الى
وسيلة اعلامية مقروءة تنشر اخبارهم وشؤونهم وشجونهم، محزنة كانت ام
سارة.
في حين يرى أخرون ان الاستقلالية التي يتمتع
بها الشمال على الصعيد النقابي تنعكس ربما على المستوى الصحافي. فمن
المعروف ان غالبية المهن الحرة لها نقابتان واحدة لكل لبنان (مركزها
بيروت) وأخرى للشمال (مركزها طرابلس)، مثل نقابة الاطباء والمحامين
والمهندسين وأطباء الأسنان والصيادلة... وغيرها كثير. وقد سجّلت في
العقود الاخيرة اكثر من محاولة لتشكيل نقابة للمحررين شمالاً، على غرار
النقابات المهنية الأخرى، ولكن تلك المحاولات كلها باءت بالفشل الذريع.
فتمّ تعويض هذا الفشل، ربما، بإصدار مزيد من الصحف المحلية التي تحاكي
الهواجس الشمالية المتوجسة من "عقدة" النقص والدونية لدى بعض الصحافيين
الشماليين بالمقارنة مع الفرص والامتيازات المفتوحة أمام صحافيي
العاصمة بيروت"، بحسب تعبير احد المثقفين الطرابلسيين.
لكن التفسير الآخر الاكثر موضوعية، ربما،
لظاهرة طفرة الصحف الشمالية والطرابلسية تحديداً، هو أن عاصمة الشمال
لها باع طويل في الاصدارات الصحافية يمتد تاريخه الى أكثر من مئة واثني
عشر عاماً، يوم كانت طرابلس تمارس دوراً محورياً في الدولة العثمانية
العتيدة. ففي تاريخ 13 آذار 1893 صدرت أولى صحف الفيحاء باسم "طرابلس
الشام" على يد مواطن طرابلسي طليعي هو محمد كامل البحيري صاحب أول
مطبعة ("البلاغة") في المدينة حين لم تكن فكرة تأسيس المطابع وإصدار
الصحف تجول في خاطر أحد من أدبائها آنذاك. فظلت "طرابلس الشام" الأولى
والوحيدة في طرابلس زهاء 15 عاماً، الى ان تجرأ حكمت شريف يكن على
إصدار جريدة "الرغائب" في العام 1908. وأعقبه جرجي وصموئيل ينّي على
إصدار مجلة "المباحث" في العام نفسه، لتكرّ من بعدها سبحة الاصدارات
الصحافية الشمالية ليزيد عددها على المئة خلال قرن كامل على الاصدار
الأول. ومن الامتيازات الصادرة في عاصمة الشمال، انتقل بعضها من الاطار
الطرابلسي المحلي الضيّق الى العاصمة بيروت، لتفتح أمامها آفاق مهنية
أرحب وأوسع انتشاراً، مثل "الحوادث" التي أطلقها الصحافي الراحل سليم
اللوزي من العاصمة كمجلة أسبوعية عربية سياسية رائدة بعدما كانت جريدة
متواضعة تصدر في طرابلس مرتين أسبوعياً، و"المستقبل" للطرابلسية ألفيرا
لطوف والتي آلت ملكيتها الى نبيل خوري ثم الى رئيس الحكومة (الراحل)
رفيق الحريري، وكذلك "الأفكار" من جورج اسحق الخوري الى الزميل وليد
عوض، بالاضافة الى امتيازات عدة كانت طرابلسية فأصبحت بيروتية، مثل
"الحضارة" و"الأمان" و"الرائد" و"الانتقاد"...
انعكاس للمشهد
الطرابلسي
لعبت الصحافة الطرابلسية دوراً مهماً في عكس
المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي شهدته المدينة
خلال القرن المنصرم، فكانت مرآة مجتمعها بحق. وقد تتلمذ على صفحاتها
بعض الصحافيين الطرابلسيين والشماليين الذين آثروا الخروج من "شرنقة"
مدينتهم الى آفاق أبعد وأوسع في بيروت حيث فردوا أجنحتهم وأصبحوا في
وقت لاحق أصحاب مشاريع صحافية خاصة بهم أو تبوّأوا مناصب رفيعة في صحف
العاصمة، مثل "الوليدَيْن": "وليد الحسيني صاحب ورئيس تحرير مجلة
"الكفاح العربي" ووليد عوض صاحب ورئيس تحرير مجلة "الأفكار"، وفؤاد
دعبول مدير تحرير صحيفة "الأنوار"...
وشهدت عاصمة الشمال، كذلك، إصدارات صحافية كانت
علامة مضيئة في زمنها، مثل صحيفة "الإنشاء" التي أصدرها محمود الأدهمي
في 28 تشرين الأول 1947، فكانت بعد استقلال لبنان الجريدة السياسية
اليومية الأولى والوحيدة الصادرة في طرابلس وخارج العاصمة بيروت. كما
سطع نجم "نداء الشمال" (أسسها احمد زكي الأفيوني في العام 1959) على يد
الزميل طلال منجد الذي أعاد إصدارها في العام 1980 على شكل مجلة مثيرة،
فأخرجها من نطاقها المحلي الضيق نحو آفاق اكثر اتساعاً، ولا سيما
بعدما تصدّر أحد أغلفتها حوار جريء مع بشير الجميل قبل انتخابه رئيساً
للجمهورية، فأثار منجد بذلك الغلاف – القنبلة زوبعة طرابلسية جعلته في
مقدمة الصحافيين ألمعية وجرأة وإثارة للجدل في العاصمة الثانية. لكن
نجم "نداء الشمال" المجلة أفل مع الاجتياح الاسرائيلي لبيروت في العام
1982، لان طباعة المجلة كانت تتم في العاصمة، في وقت كانت فيه مطابع
طرابلس تتبع اسلوب الخمسينات من القرن الماضي. ومع صمت "نداء الشمال"
وتراجع دور الفيحاء سياسياً واقتصادياً وثقافياً في الثمانينات، انحسرت
الصحافة المحلية في المدينة الى حدودها الدنيا لحوالى عقد من السنين،
تغيّرت خلاله المفاهيم، فازدادت عزلة طرابلس بينما عادت بيروت الى
النهوض بفعل اتفاق الطائف.
وفي مطلع التسعينات، بدأت بعض الامتيازات
الطرابلسية المتوقفة تنبت من جديد في تربة ضحلة وضيقة. فصدرت بوسائل
طباعية قديمة واخراج هزيل... بفعل شح الامكانات المادية لاصحابها. لكن
الانتخابات النيابية للعام 1992 (الاولى بعد انتهاء الحرب اللبنانية)،
انعشت "سوق" الصحافة المحلية. فكثرت الاصدارات، وبدأ السياسيون الجدد،
وحتى التقليديون، يمتلكون او يدعمون بعض الصحف المحلية بغية الترويج
لهم ولسياساتهم و"طلّتهم البهية"، مقابل حفنة من الدولارات. الامر الذي
"انعكس على الصحافة والاعلام وعلى العاملين فيها بشكل استيعابي،
ومعياره الاوحد الولاء لهذا الزعيم المحلي الانتخابي او ذاك"، بحسب
تعبير الزميل طلال منجد. وسط هذه الاجواء، ظهرت على السطح مجموعة من
"الصحافيين المرتزقة" الذين لا يملكون اي خبرة او ثقافة او كفاءة او
موهبة او صدقية في العمل الصحافي. فاصدروا جرائد من بضع وريقات شهرية
خاوية من اي جهد صحافي محترف وحبلى بالاخطاء المهنية القاتلة، كأن تجد
مثلاً اخباراً وموضوعات من دون عناوين، او ان تجد في الصفحة الاولى
عناوين يتيمة بلا موضوعات، فضلاً عن الاخطاء اللغوية والمطبعية الفاضحة
التي تثير اشمئزاز القارئ وتحط من قدر الصحيفة واصحابها. وبالتالي،
اصبحت المهنة مستباحة العرض من طارئين مسترزقين يحملون لقب "زملاء" من
دون اي ضوابط مهنية واخلاقية... ونقابية. ويتندّر صحافيو طرابلس عند
صدور مثل تلك الصحف الآنفة الذكر بالقول انها صدرت بفعل "شاب واستحلى"
اصبح في غفلة من الزمن ناشراً ورئيساً للتحرير، من دون ان يفقه من
الصحافة "ثلث الثلاثة" كما يقول المثل الشعبي الشائع. وفي هذا السياق،
يشير رئيس تحرير صحيفة "الاديب" (تصدر كل اسبوعين) الزميل محمد ولي
الدين، وهو خريج الدفعة الاولى لكلية الاعلام في الجامعة اللبنانية في
العام 1972، الى وجود متطفلين على المهنة، كما في المهن كلها، يحاولون
ايجاد موقع لهم بين المحترفين من دون ان يكونوا مؤهلين لممارسة هذه
المهنة اساساً". ويردف الزميل ولي الدين ان الرأي العام هو صاحب الكلمة
الاخيرة في هذه المسألة، فهو الذي يرفع هذه الصحيفة او يسقط تلك في
نهاية المطاف.
دور
السياسيين
يلعب سياسيو الشمال، من نواب ووزراء، دوراً
رئيسياً في ازدهار هذه الظاهرة الرديئة من طريق دعمها مادياً، حتى باتت
بعض الصحف المحلية على صورة داعميها، بكل ما فيها من سماجة وبلاهة...
وتشوهات. لكن ذلك كله لم يمنع عدداً قليلاً جداً من الصحف الطرابلسية
من الحفاظ على الحد الادنى من الاستقلالية، بدرجات متفاوتة بين صحيفة
واخرى، في ظروف اقتصادية – مهنية صعبة للغاية. علماً ان بعض اصحاب هذه
الصحف يعترفون، صراحة، بانهم يتلقون دعماً مالياً من اصدقائهم
السياسيين، لكن من دون ان يكون هذا الدعم مشروطاً بـ"ترويج دعائي
مبتذل" لهذا السياسي او ذاك، وانما مقابل افراد مساحة بارزة لتغطية
نشاطات هؤلاء واخبارهم ومواقفهم السياسية، فيتبادل الطرفان الخدمات مع
تقاطع المصالح بينهما: السياسي يقدّم الدعم المالي اللازم لاستمرار
المطبوعة الصحافية، وصاحب المطبوعة يقدّم في المقابل الخدمة الاعلامية
شبه الاعلانية لهذا السياسي او ذاك، من دون ان يعني ذلك ارتباط الصحيفة
بجهة سياسية داعمة وحيدة، وانما قد ينسج ناشر الصحيفة علاقات اعلامية –
اعلانية عدة مع اكثر من سياسي مموّل – واحياناً مع جهات سياسية متناقضة
او متضادة – حتى لا تصبح الصحيفة رهينة لجهة واحدة قد تقطع بها الحبل
في وسط البئر، او عملاً بالمثل القائل: "لا تضع كل بيضك في سلة واحدة".
هذا المصدر المالي شبه الثابت والمستمر للصحيفة
الشمالية هو أشبه بـ"صمام الأمان" الذي يحول دون توقف الصحيفة عن
الصدور بشكل مفاجئ، كونه يشكل حوالى 40 في المئة من الدخل السنوي
للمطبوعة. وهذه النسبة ترتفع لدى بعض الصحف لتصل الى حوالى 70 في
المئة، أو ربما أكثر. الأمر الذي يخفض حماسة هذه الصحف في المنافسة على
اكتساب قراء جدد، من طريق المانشيت المثير أو السبق الصحافي على الصفحة
الأولى. ذلك أنها لا تعتمد على الجميع في المكتبات والأكشاك، وعلى
الطرقات، كما هي حال الصحف اليومية الكبرى الصادرة في بيروت، إلاّ
بنسبة ضئيلة لا تدخل عادة في حساب مداخيلها. بل تعتمد على الاشتراكات
(المدفوعة) التي تشكل حوالى 20 في المئة من مصادر دخل الصحيفة
الطرابلسية. وبحسب رئيس تحرير صحيفة "الانشاء" الاسبوعية الزميل مايز
الأدهمي، فان عدد هؤلاء المشتركين لا يزيد على الألف في أحسن الأحوال،
لان المجتمع الشمالي ضيق نسبياً. ولأن وجوه هذا المجتمع (من سياسيين أو
أصحاب طموح سياسي، ورجال أعمال وأطباء ومحامين...) معروفون من الجميع
تقريباً، فإن نحو 80 في المئة من قائمة المشتركين في غالبية الصحف
السياسية الصادرة في طرابلس هم أنفسهم تقريباً.
أما الاعلانات، ثالث المصادر التمويلية للصحف
المحلية شمالاً، فتعتبر "العقدة" الرئيسية التي تحول دون تطوّر الصحافة
المناطقية واشتداد عودها، كون الحملات الاعلانية الضخمة للشركات
والمؤسسات العالمية أو اللبنانية الكبرى (التجارية والصناعية) مرتبطة
بوكلاء حصريين، أو ما يعرف بـ"الريجي". كل الشركات الاعلانية ترتبط
"مصلحياً" مع الصحف البيروتية الكبرى، باعتبارها تصيب عدداً كبيراً
جداً من القراء – المستهلكين في المناطق اللبنانية المختلفة. وهكذا
يُسقط مديرو الشركات الاعلانية، وتالياً المعلنون، من حساباتهم التعامل
مع الصحف المناطقية الضيقة الانتشار نسبياً بالمقارنة مع صحافة
العاصمة. وبالتالي، لا يبقى للصحف المناطقية إلا "الفتات" من الاعلانات
الرسمية (المناطقية أيضاً)، القضائية... والعقارية، أو تلك التي "تأتي
من طريق العلاقات الشخصية، حتى ولو كانت لشركات لمؤسسات كبيرة وطنية،
أو محلية"، على حد تعبير صاحب وناشر صحيفة "الأديب" الدكتور مصطفى
جنيد، مبدياً عتبه على وزارة الاعلام "التي لا تهتم بصحافتنا من حيث
الرعاية أو المساعدة على تخطي العقبات التي تواجهها".
15 صحيفة ومجلة، أسبوعية ونصف شهرية وشهرية،
تصدر في عاصمة الشمال اليوم، منها خمس صحف سياسية، وهي: "التمدّن"،
(أسبوعية)، "حرمون" (مرة كل عشرة أيام)، "الأديب" (مرة كل أسبوعين")،
"الانشاء" (أسبوعية)، و"الرقيب" (أسبوعية). وتعتبر الصحف الخمس الاخيرة
الاكثر انتشاراً وانتظاماً بالصدور منذ أعوام عدة. ويعترف رئيس تحرير
صحيفة "حرمون" الزميل جوزف وهبة بغياب التنسيق بين هذه الصحف، لأسباب
عدة. أهمها: "ان غايات إصدار هذه الصحف مختلفة، وعدم وجود هدف مشترك
لصناعة رأي عام في الشمال. فضلاً عن المنافسة السلبية بين الصحف
المحلية المختلفة. اذ عندما يتم اغلاق او تعطيل صحيفة من قبل وزارة
الاعلام، تقوم الصحف الأخرى بالشماتة بدلاً من الاستنكار
والتضامن مع الصحيفة المعطلة". ويفتح الزميل وهبة النار معتبراً ان
"الجسم الاعلامي في طرابلس والشمال منخور بالاجهزة الامنية
والاستخباراتية محلياً واقليمياً".
امكانات
محدودة
تقوم كل صحيفة من الصحف الخمس الآنفة الذكر،
على هيئة تحرير محدودة جداً لا يزيد عدد أفرادها الثابتين على الخمسة
حداً أقصى، ويخفض هذا الرقم من صحيفة الى أخرى ليصل الى واحد ("وان مان
شو")، كما الحال في صحيفة "الانشاء" التي يعترف رئيس تحريرها
الزميل مايز الأدهمي، صراحة، انه يقوم بكل الاعباء التحريرية في
الصحيفة، باستثناء مساهمات بعض الكتاب الاصدقاء في الرأي والتعليق
والتحليل، على شكل "زوايا" ثابتة موزعة على صفحات الجريدة.
وكما يتفاوت عدد أفراد هيئة التحرير، من صحيفة
محلية الى أخرى، ينسحب الامر كذلك على دائرة الانتشار. اذ يراوح اتساع
قطر هذه الدائرة، بالنسبة الى الصحف السياسية الخمس في طرابلس، بين
1250 و5000 نسخة لكل عدد. ويكشف صاحب احدى المطابع التجارية في طرابلس
ان احدى الصحف غير السياسية والتي تصدر شهريا في المدينة منذ بضع
سنوات، لا تطبع أكثر من مئتي نسخة لكل عدد، في حين يعلن صاحبها (من
"المرتزقة") في المكاتب الاعلامية للنواب والوزراء انه يطبع حوالى الف
وخمسمئة نسخة، بغية الحصول على "حصته التمويلية" الشهرية من هؤلاء،
مقابل نشر أخبارهم ومواقفهم السياسية "المشرّفة" للمدينة وأهلها!
ولأن صحافة طرابلس السياسية هي غير يومية،
"فانها أمام مأزق حقيقي يتمثل في صناعة مانشيت رئيسي بعيد من الخبر،
ويمزج بين الحدث وخلفياته وما تتوافر عنه من معلومات جديدة تجذب
القارىء اليها"، بحسب بتعبير رئيس تحرير صحيفة "التمدن" الزميل فواز
سنكري، معتبرا ان العمل الصحافي الاسبوعي أصعب من العمل اليومي، "لأنه
في الصحيفة اليومية يمكن الاختباء وراء الخبر وتفاصيله الصغيرة، بينما
يرتكز العمل الاسبوعي على ابتكار موضوعات صغيرة او كبيرة مرتبطة بالخبر
وشبيهة بالتحقيقات في ظروف سياسية سيئة وشحيحة، ولا سيما ان سياسيي
طرابلس ليست لديهم الحركة السياسية الدائمة التي تشكل وقودا للصحافة
المحلية. الامر الذي يدفعنا الى ابتكار مقاربات سياسية مختلفة لمزيج من
الاحداث ذات الابعاد السياسية او الاقتصادية أو حتى الاجتماعية
والثقافية".
ومع ذلك، يرى الزميل طلال منجد ان الهمّ
الرئيسي لبعض الصحف السياسية المحلية (الطرابلسية) هو "الترويج لهذا
السياسي المحلي على ضآلته وتفاهته او للصورة الملونة المزيفة والمتطرفة
والتي تشغل المساحة الكبرى من المطبوعة السياسية. ووظيفة هذه الصورة
اما تضخيم مسائل الفقر وعجز البلديات، واما تضخيم صورة السياسي
الانتخابي، بحيث أدى ذلك الى تكرار نمطية اعلامية واحدة لدى مختلف
المطبوعات، ويقوم بنقلها وتوليدها العاملون في الحقل الاعلامي"، ويعتبر
الزميل منجد انه بصرف النظر عن نمطية الخبر والتحليل والمعالجة
الصحافية، فان "المقارنة ايضا لم تعد تجوز ما بين صحافة طرابلس
وصحافة بيروت، باستثناء قلة من المطبوعات لا تتجاوز المطبوعتين حصرا".
هذا الفارق الكبير في المستوى، شكلا ومضمونا،
اخراجا وتحريرا، بين صحافة بيروت وصحافة طرابلس، ينسحب ايضا على
الرواتب. اذ يراوح أجر العاملين في الصحافة الطرابلسية عموما، بين الحد
الادنى للأجور (300 الف ليرة) وثلاثة أضعاف هذا المبلغ، باختلاف
المهمات والمسؤوليات الموكلة الى الصحافي. ويحتل خريجو كليتي الاعلام
في جامعتي "الجنان" و"البلمند" (الموجودتين في محيط طرابلس) مواقع مهمة
في بعض هذه الصحف، فيما ينتفي وجودهم تماما في صحف أخرى.
لكن، في المقابل، ثمة تجربة صحافية شمالية
مبتكرة تغرّد خارج السرب السابق تماما، من حيث الشكل والمضمون والفكرة.
وتحمل هذه التجربة – المشروع باسم "طرابلس بوست"، وهي مجلة شهرية
(تقريبا) تعنى بالاضاءة على كل ما هو جميل ولافت ومشرق في عاصمة الشمال
وجوارها، بعيدا من الهموم والمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
التي تؤرّق المجتمع الطرابلسي، مع افراد مساحة كبيرة من العجلة لأخبار
المجتمع المصورة.
وترتكز فكرة "طرابلس بوست" على التوزيع
المجاني، لا على المبيع، وعلى تغطية كامل نفقاتها من طريق الاعلانات
والتسويق الاعلامي (المدفوع) لشركات أو منتجات أو مشاريع تجارية شمالية
بحتة. "لقد كان رهاننا كبيرا، وهو رهان المجلة التي يمولها سوقها.
وأعتقد ان المجلة نجحت في هذا الرهان الصعب لجهة شروط اقتصاديات
الانتاج الصحافي في لبنان. بحسب تعبير رئيس تحرير "طرابلس بوست" الزميل
طلال شتوي. وقد نجحت هذه العجلة في جذب عدد كبير من المعلنين والقراء،
في فترة قياسية نسبيا، بفضل طباعتها الفاخرة واخراجها الانيق وصورها
البراقة وموضوعاتها الخفيفة التي تنسي المواطن الطرابلسي بعضا من همومه
اليومية، وما أكثرها.
مهما يكن، فان التجارب الجادة في صحافة طرابلس،
على اختلاف مستوياتها وتوجهاتها، تشكل "رئة" اعلامية ضرورية لمدينة
ومنطقة يزداد شعورها، يوما بعد يوم، بأنها منسية ومهمّشة و"مخنوقة" على
خريطة الوطن. وبحسب تعبير الزميل والاديب (الزغرتاوي) محسن يمين، فان
"دور هذه الصحف يقوم على حاجة المناطق الى اسماع صوتها بكل ما يستلزمه
ايصال هذا الصوت من مساحة اعلامية. وهذا ما لا تستطيع صحف
العاصمة بتوجهاتها الوطنية المدى، الشمولية الابعاد، أن تفي المناطق
حقها به، إلا بمقدار". |