caza-zgharta.com                                             news

قصر فرعون صار "متحف معوض" بكلفة 50 مليون دولار

إعادة تأهيل المبنى وترميم المجموعات الأثرية وإضافة المجوهرات

كتبت مي عبود ابي عقل:

بعد سبعة أعوام من أشغال الترميم والتأهيل تحول قصر فرعون الى "متحف معوض".

"نفضة" كبيرة وشاملة اجتاحت المكان بكل ما فيه من مجموعات اثرية تعد من الاهم في العالم، الى بنيته الانشائية والتحتية والفوقية، كما تمّ تعديل بعض التقسيمات الداخلية بطريقة تتيح للزائر التجول بين صالات عرض وليس غرف للسكن. وبهذا، اصبح "متحف معوض" بهندسته المعمارية العريقة وكنوزه الاثرية الفريدة يعد واحدا من ابرز الصروح الثقافية الخاصة في العالم.

الحلم

القصة بدأت في 22 حزيران 1992 عندما اشترى رجل الاعمال والصائغ العالمي روبير معوض قصر هنري فرعون في منطقة زقاق البلاط، وضمه الى مجموعة ممتلكاته لتحويله لاحقا علبة مجوهرات مذهبة تضمّ كنوزا وثروات تاريخية وتراثية لا تقدر بثمن. معوض الذي يملك اكبر ماسة في العالم، وقصورا عديدة في لبنان وبلدان اخرى، اراد على ما يبدو تحقيق حلم آخر مختلف في حياته: امتلاك جوهرة من نوع خاص وجعلها في متناول عامة الناس.

منذ سبعة أعوام تحول القصر خلية نحل، تعمل ليل نهار: 100 عامل يوميا ، وعشرات خبراء الآثار والاختصاصيين والمهندسين والمرممين في لبنان والعالم كان لكل واحد مساهمته ودوره الخاص في المحافظة على هذا الارث الثقافي الفريد من نوعه، ليكون جاهزا للافتتاح غدا الخميس مضافا الى مجموعاته الاصلية مجموعة جديدة من مجوهرات معوض القديمة والحديثة.

حديقة الآثار في متحف معوض

متعة الدهشة

التجول بين ارجاء المتحف لذة في حد ذاتها، فمتعة المشهد تنتقل من العين مباشرة الى الاحاسيس وتأخذك من دهشة الى دهشة، وتنتابك موجة من الفرح والشعور بالجمال وبعظمة الانسان الفنان. الذوق والفن والعمل الدقيق ينتشرون في كل ناحية من المتحف وفي كل قطعة معروضة: النقوش الرائعة التي تزين الخشب من سقوفيات وابواب وكراس وطاولات مصدّفة، الرخام الذي يغطي الارض ويكسو بعض الغرف بالكامل ويذكر بقصر العظم في الشام، الزجاج المرسوم والملون الذي يضفي جمالية حالمة، الكتابات العربية والزخرفات التي خطتها بكل عناية ورشاقة يد خطاط ماهر، اضافة الى القطع الثمينة المنتقاة بعناية والمعروضة تبعا لأحدث الطرق المتبعة في المتاحف العالمية، وموزعة جميعها على طبقتين من 18 قاعة.

 

نفضة كاملة  

اعادة تأهيل كاملة للرخام والبلاط

المهندس جوزف حوراني الذي رافق ورشة المتحف منذ اليوم الاول تحدث لـ"النهار" عن الاعمال القائمة، فأكد "انه من الناحية الانشائية كانت كل الحيطان متصدعة ومليئة بالتفسخات بسبب قلة الصيانة والحرب. نحن لم نجدد شيئا بل حاولنا المحافظة على ما كان. عدلنا فقط في بعض التقسيمات الداخلية للقصر لتحويل الغرف الى متحف وتسهيل عملية توزيع القطع. رممنا كل السقف، وفتحنا بعض الابواب من اجل تأمين ممرات. يعني حصل تدخل هندسي لكل الزوايا لتحويله متحفاً. الزجاج الملون تم تفكيكه واعادة تركيبه. في احيان كثيرة اعتمدنا طرق التدخل اليدوية واحيانا البدائية للمحافظة على الطابع الانساني الذي يغلف بعض القطع. منذ البداية حرصنا على المحافظة على كل ما فعله هنري فرعون من الناحية الانشائية، لكن بالنسبة الى صالات العرض والمعروضات كان هناك توجه لدى السيد معوض على تحويل المكان من منزل الى متحف خاص". وشرح ان "مجموعات فرعون التي كانت في وضع سيئ أعيد ترميمها بالكامل مثل الفخاريات والحجريات من تماثيل وتماثيل نصفية وقواعد منقوشة واعمدة، اضافة الى السجاد

الخشب المحفور في قاعة شارل ديغول.

سقف محفور وكتابات قرآنية.

والفسيفساءات وغيرها... وهناك اشياء اضيفت الى المتحف كالمجوهرات وستكون مجموعة مميزة جدا لانها تعود الى القرن السادس عشر حتى اليوم، وتعرض تاريخ المجوهرات وتطورها حتى عام 1890 عندما بدأ معوض عمله في هذا المجال وحتى اليوم ".

تفكيك وتركيب

كل شيء تم تفكيكه وترميمه ثم اعيد تركيبه: من البلاط الى الجدران الى السقوف، بعدما جهزت القاعات والممرات بالانارة الملائمة واجهزة المراقبة والانذارالضرورية وتجهيزات العرض الزجاجية، بأحدث الوسائل والتقنيات. واكد حوراني انه "تم تفكيك كل البنية التحتية والفوقية للقصر من اجل وضع كل المتطلبات، واتبعنا في الترميم المعايير العالمية. لقد اعيد تأهيل هذا القصر ليكون متحفا. الخصائص التقنية التي استعملناها تعد من أعلى التقنيات المستعملة في المتاحف وكلفتها مرتفعة جدا، لا اعتقد ان اي مؤسسة خاصة يمكنها ان تعتمدها. لقد اعيد توظيف كل القدرات التقنية للمتحف من ناحية المراقبة والكاميرات التي تستعمل الاشعة تحت الحمراء، والزجاج الذي يفلتر الاشعة بطريقة لا تؤذي الخشب، والانارة بالالياف البصرية من دون حصول تأثيرللحرارة على القطع. الالياف البصرية مطلوبة لانها تحافظ على القطع فلا تتمدد بفعل الحرارة، واستخدمنا نظام التبريد الاكثر تعقيدا الذي يعمل 24/24 ساعة في اليوم ولمدة 365 يوما في السنة، لانه اذا لم نحافظ على حرارة مستقرة في المتحف واذا تمدد الخشب يتفسخ ا لطلاء (... ). هذا المتحف لم نرممه ونحافظ عليه فحسب بل اطلنا عمره اكثر من 200 سنة الى الامام".

وعن طرق العمل اوضح ان"الخشبيات مثلا كان وضعها سيئا جدا، تم تفكيكها كلها وارسلت الى الكسليك واعاد خبراء من الخارج رسمها كلها. كما تم تعقيم كل الخشب وتطهيره واعيد تركيبه بعد تزفيته من اجل اطالة عمره. حتى الرخام تم تفكيكه كله في الارض من اجل اجراء التمديدات الكهربائية، ولأن بعضه كان مهترئا اضطررنا الى الرجوع الى مصدره الاساسي في ايطاليا للتعويض عما تعرض للكسر. كذلك تم تجهيز المتحف بنظام الامان ومكافحة الحريق وكاميرات المراقبة الليلية لتكون المراقبة ادق واسهل".

المعروضات

تتألف المجموعات المعروضة من فخاريات وحجريات وتماثيل ومعادن واسلحة وزجاجيات وخشبيات ورخاميات متعددة اللون وجدرانيات وثريات ومخطوطات نادرة وايقونات وصلبان وآيات قرآنية وسجاد ونواويس واعمدة وتيجان اعمدة وحجارة منقوشة، تمثل مختلف الحضارات: الفينيقية والرومانية واليونانية والبيزنطية والفارسية ولا سيما منها العربية، جمعها هنري فرعون على مدى اكثر من ستين عاما. واضاف عليها روبير معوض مجموعة من مجوهرات يملكها وتعود الى القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر وتضم قطعا لها اهمية تاريخية كالخاتم الذي كانت تضعه ملكة رومانية من القرن السادس عشر، واسوارة لزوجة القيصر الروسي، والقطع التي لبستها اليزابيث الاولى يوم عرسها... لكنها لن تضم الالماسة الاكبر في العالم.

وفي القاعة التي كانت تضم مكتب فرعون تعرض مكتبة كميل ابوصوان التي اشتراها معوض بالكامل بقيمة مليون دولار وتضم كتاب لامارتين بخط يده واقدم قرآن مطبوع، اضافة الى لوحات فنية ورسوم اصلية وصور ولوحات قديمة للقدس ومجموعات مخطوطات وكتب قديمة.

وستعرض قريبا مجموعة مايسون الزجاجية والفخارية التي اشتراها معوض من المانيا وتعود الى القرنين السادس عشر والسابع عشر، اضافة الى قطع اخرى تم شراؤها من صالات بيع عالمية كسوثبيز وكريستيز وسيتم عرضها تباعا في المتحف.

حديقة آثار

القصر الذي يعود الى اوائل القرن الماضي والمميز بهندسته ذات الطابع النيو – غوتي الذي كان رائجا في ذلك الوقت بقناطره وعقوده ونقوشه وحجارته لم يتغير من الخارج، بل تم ترميم واجهته واقيم مدخل كبير جديد ودرج وشلالات مياه. اما الفناء فتحول حديقة آثار، ويعبرالزائر متحفا خارجيا مستعرضا معالم أثرية وقطعا كبيرة تم صفها وفق المراحل والفترات التاريخية تبدأ من العصر الفينيقي وتمتد حتى اليوم: اعمدة رومانية ويونانية (213 عمودا) وتيجان كورنثية وابواب نواويس فينيقية ومصرية واجران وقواعد اعمدة وقطع حجرية منقوشة وبركة من القرن الثالث عشر وغيرها... وضعت بطريقة تبرزها مرفوعة على قواعد من الحجر ثم الستينلس وامامها لوحات تعرف عنها وعن حقباتها. الاشجار الكبيرة تظلل المكان وتم استيراد معظمها من الخارج، واعيد تنسيق القديم منها وتشذيبه، كما تم ترميم البلاط.

واشار حوراني الى انه "تم تحويل الحمامات صالة عرض للسيراميك من القرن الخامس عشر والسادس عشر. واثناء ترميم بعض القطع وجدنا عليها دمغة السلطان العثماني من القرن السادس عشر. كما تبين ان بعض القطع مزورة فتم استبعادها ووضعها "على جنب”. كذلك تطلب تأريخ القطع جهدا كبيرا فالعديد منها كان موجودا لدى فرعون لكنه لم تكن يعرف تاريخها تحديدا. بعض الاشياء كلف ترميمها ووضعها وابرازها اغلى من ثمنها، لكن المنطق لم يكن تجاريا بل ثقافيا محضا".

تماثيل حجرية

خبراء اجانب

"كلفة التأهيل من الداخل والخارج بلغت نحو 50 مليون دولار، وكان اعمار متحف جديد ارخص بالنسبة الينا، بيد اننا نريد المحافظة على رونق القصر وخصوصيته واصالته" على ما اكده حوراني. ولهذه الغاية تمت الاستعانة بأهم الاختصاصيين والخبراء الاجانب اصافة الى المرممين من جامعة الكسليك. ولفت الى انه "لا يوجد مدير لمتحف اوروبي لم تكن له مساهمة في هذا المتحف: فينيسيا بورتر المسؤولة عن قسم الفن الاسلامي في المتحف البريطاني، البروفسور جون كارزو الذي كان مسؤولا عن متحف الميتروبوليتان، دافييد بارك الخبير في قطع الحديد، ستيفان ويبر المسؤول عن المعهد الالماني هو الذي وضع كل الاوصاف للخشب، جامعة الكسليك والخبراء الاجانب من اجل وضع بروتوكول ترميم الخشب، دايفيد بارك للسجاد وتقويمه، صالات سوثبيز وكريستيزـ، خبراء بالالياف البصرية من سويسرا واكسفورد، خبراء اختصاصيون بالمجوهرات مثل فرنسوا كورييل لتقويم الاشياء وطريقة عرضها والانارة المناسبة لها، خبراء بالتكييف من اميركا وفرنسا، خبراء بالاضاءة من متحف اللوفر، سيلفي عجميان للايقونات. اما السيراميك والحجر فتم ترميمها في لبنان والشركة الاساسية هوم لاين كونتراكينغ فادي وردة وجوزف حوراني، باشراف حبيب صادق من منظمة الايكروم ".

مجموعة سيراميك

عرقلات ادارية

وللمحافظة على المحيط التنظيمي للمتحف اشترى روبيرمعوض كل المباني التي تحوط القصر ورممها لاعطائه الجوار المناسب والاطارالملائم وترتيب المحيط التنظيمي المجاور.

تبقى الاشارة الى التعقيدات الادارية الكبيرة والعراقيل التي كانت ولا تزال تواجه استكمال الاجراءات القانونية للمتحف، بدل التسهيلات والحوافز التي يجب على الدولة والادارات الرسمية توفيرها لاعمال ثقافية بهذا الحجم العالمي.

حفل الافتتاح الرسمي سيجرى غدا الخميس، وستفتح الابواب للعموم بعد اسابيع عدة.

 

الايقونات

مدخل المتحف

"النهار"

الاربعاء 15 كانون الاول 2004