يتركّز في الصحّة والتربية والمهجّرين والشؤون الاجتماعية
نصف مليار دولار الكلفة الشهرية للفساد في القطاعات الاجتماعية

... والإصــلاح مـــتعـــذّر بغياب رجال الدولة

 

إعداد ربيع الشاعر  -  النهار 18/11/2004

 

 من الصعب تعريف الفساد علميا وبدقة، وبالتالي تحديد الكلفة المادية والمعنوية التي يسببها. لكن الاتحاد الاوروبي يعرف الفساد بأنه كل ما يرتبط بتعسف في استعمال السلطة، وكل مخالفة ترتكب في اي قرار رسمي يتخذ مقابل منفعة غير مشروعة، خاصة او للغير. في دراسة له، يعتبر البنك الدولي انه من بين 30 الف مليار دولار، وهو حجم الاقتصاد العالمي، ثمة اكثر من الف مليار دولار تهدر سنويا في شكل رشى. وبحسب استنتاجات البنك الدولي فإن الدول التي حاربت الفساد قد زاد دخلها الوطني اربعة اضعاف وانخفضت نسبة الوفيات فيها حوالى 75%.

 

حكومة سبعة الاشهر طرحت شعار مكافحة الفساد... فهل تنجح؟

ان الادارة السيئة والفساد هما العائق الاساسي لاي ازدهار اقتصادي واجتماعي. وفي غياب هذا الازدهار يتفشى المرض

 

 وتعلو كلفة معالجته، كما تزداد نسب الاميين والعاطلين عن العمل، وبالتالي يستشري الفقر ويعشش في طبقات المجتمع.

ولبنان يعاني مباشرة آفة الفساد على كل الصعد، وخصوصا على الصعد الاجتماعية. فهو يحتل المرتبة 96 عالميا من حيث درجة الفساد (بتراجع 18 مرتبة عن السنة الماضية!) في الوقت الذي تحتل فيه الامارات العربية المرتبة 29 (بتقدم ثماني مراتب عن السنة الماضية) وسوريا المرتبة 72 (بتراجع ست مرتبات) والاردن المرتبة 37. علما ان احد تقارير لجان الامم المتحدة في كانون الثاني 2001 اشار الى ان حوالى مليار وخمسمئة مليون دولار سنويا كنتيجة للفساد المعمم على الصعد الحكومية كلها. بينما وبحسب تقرير التنمية

البشرية، هناك 40 % من الشعب اللبناني دون معدلات الفقر، ونسبة الوفيات في عكار مثلا تصل الى 57 في الالف. كما تتفاوت معدلات الامية تفاوتا كبيرا بين المناطق، اذ تبلغ النسبة الاعلى في لبنان الشمالي 20%، بينما المعدل العام للاميين يصل الى 13,6% من الشعب اللبناني.

 

اذا للفساد الاجتماعي في لبنان كلفة مادية سنسعى في اول قسم من هذه الدراسة الى عرض بعض الجوانب الظاهرة منها. ولكن لهذا الفساد ايضا كلفة معنوية تمتد من انعدام الثقة بمؤسسات الدولة، مرورا بتزايد البطالة والفقر، وصولا الى هجرة الادمغة والرساميل.

 

وفي القسم الثاني من هذه الدراسة سنعرض وبشكل موجز اسباب هذا الفساد وبعض الحلول التي من الضروري جدا اعتمادها قبل ان ينخر الفساد كل مفاصل الدولة والمجتمع، وينهار ما بنيناه فوق رأسنا.

الكلفة المادية للفساد الاجتماعي

لقد ارتفع مجموع الانفاق الاجتماعي (وهي النفقات المرصودة في الموازنات العامة للوزارات الاكثر صلة بالشأن الاجتماعي اي التربية والصحة والشؤون الاجتماعية) من 514 مليار ليرة عام 1994 الى 1338 ملياراً سنة 2004. اما مجموع الانفاق الاجتماعي منذ العام 1994 الى الان (دون معاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة) فقد جاوز 11 الف مليار ليرة اي ما يوازي اكثر من 7 مليارات دولار.

 

وهناك اجماع على ان المشكلة ليست في حجم هذا الانفاق بل في كيفية توزيعه وصرفه مما يؤدي الى عدم تحسن الوضع الاجتماعي للناس رغم زيادة الاعتمادات. وفي ما يأتي بعض مؤشرات الفساد في ملفات الصحة والتربية والشؤون الاجتماعية والمهجرين، والذي هو احد اسباب فشل الحكومات المتعاقبة في حل الازمة الاجتماعية المتفاقمة.

 

مؤشرات الفساد في ملف الصحة

ان الفاتورة الصحية والاستشفائية في لبنان تتخطى الملياري دولار سنويا اي ما يعادل 12,3% من الناتج المحلي، وهي الاغلى في العالم بعد الولايات المتحدة، بينما نحتل المرتبة 96 فحسب من حيث الجودة. بالطبع لا تتحمل الدولة الا ربع هذه الفاتورة، ولكنها محجمة عن تحمل مسؤولياتها الرقابية مما يولد هدرا كبيرا وفسادا معمما.

 

 

الإنفاق السنوي على الدواء هو الاعلى في المنطقة.

فوزارة الصحة اولا تحولت مع الوقت مستشفى او صيدلية تكلف الخزينة العامة اكثر من 280 مليار ليرة سنويا (نصف موازنة الضمان) من اجل تطبيب الناس غير المضمونين. هذا ما يجعل منها وزارة خدمات بامتياز يتسابق على الامساك بها جميع المسؤولين لتوظيف خدماتها انتخابيا، فكأنه اصبح للمرض ايضا طائفته وحزبه وزعيمه في لبنان. والاجدى ان تتفرغ وزارة الصحة الى رسم السياسة الصحية وتحيل مبلغ الـ280 مليار ليرة على الضمان الاجتماعي مقابل ان يقدم الخدمات عينها الى الناس وبكلفة اقل وبعيدا عن اي اسغلال سياسي.

 

ثانيا: ان تعدد  الصناديق الضامنة والتعرفات وغياب الرقابة والمكننة يؤديان الى زيادة في الانفاق الصحي نتيجة الغش والفساد والهدر. وتشير التقارير الى ان الضمان الاجتماعي يمكنه ان يوفر اكثر من 50 مليون دولار من اصل 370 مليون دولار يدفعها لمضمونيه اذا شدد الرقابة ، اذ ان قيمة معظم الفواتير تزيد على الفواتير الحقيقية بنسبة 25%، اضافة الى وجود فواتير وهمية من الاساس او تغطية لعلاجات غير ضرورية... الا لـ ايجاد زبائن للمعدات والخدمات الطبية العالية التقنية.

 

ثالثا: ان المستشفيات الحكومية هي احدى الوسائل لتأمين الطبابة المجانية للمواطنين والحد من تعاظم الفاتورة الاستشفائية. لكن لا يتوافر حاليا في لبنان اكثر من 500 سرير حكومي، مقابل 1,2 مليون مستفيد من الضمان الاجتماعي. ويعود جزء من هذا النقص الى الضغط الذي تمارسه المستشفيات الخاصة والتي هي في معظمها ملك المؤسسات الطائفية، ولا مصلحة لها في قيام دولة قادرة تحضن ابناءها بالعدل والمساواة. اما عندما يفتتح مستشفى حكومي فيوضع في تصرف احد المتنفذين في الدولة وكأنه ملك خاص او جائزة ترضية يوظف فيه من يشاء ويستولي عليه كغنيمة حرب، وهذا ايضا وجه من وجوه الفساد الاجتماعي، الذي لا يمكن ان تحصى كلفته بسهولة.

 

رابعا: ان حجم الانفاق السنوي على الدواء يبلغ 600 مليون دولار وهو الاغلى في المنطقة. وثمة مستندات نشرتها جريدة النهار في عددها الصادر في 27 كانون الثاني 2004 تؤكد تواطؤ بعض المستوردين مع شركات الادوية لرفع اسعار الدواء وبالتالي زيادة ارباحهم بطريقة غير مشروعة حوالى 20%. في المقابل فان 50% من الادوية التي تدخل الاراضي اللبنانية غير خاضعة للرقابة، اما لنقص في التجهيزات او لانها تخص بعض كارتلات الدواء في لبنان. والمواطن وحده يدفع ثمن هذا الفساد من جيبه ومن صحته.

 

ومن اجل وضع حد لهذا التسيب انشئ في التسعينات مكتب للدواء وتم تجهيزه وخصصت له موازنة تبلغ حوالى 10 ملايين دولار، واجريت دراسات للسوق اظهرت ان هذا المكتب سيساهم في خفض كلفة الدواء حوالى 40%، اي انه سيوفر حوالى 240 مليون دولار سنويا على الناس. وبدل السير في التنفيذ تم الغاء المكتب وتوزيع الفرش على الوزارات، ولم يسأل اي سياسي او نقابي عن هذا الامر!

 

اذا وفي اختصار، ان الكلفة المادية للفساد الصحي هي حوالى 450 مليون دولار سنويا على اقل تقدير، ناهيك عن الاثار الاخرى غير المادية لهذا الفساد، بحيث ان اكثر من نصف الشعب اللبناني لا يملك اي تغطية للخدمات الصحية خارج المستشفيات، وهذه الخدمات تشكل حوالى 60% من الانفاق الصحي. كما ان الفرق في معدلات العمر بين لبنان والدول الغربية يصل الى عشر سنوات.

 

في ملف التربية

ان حصة وزارة التربية من الموازنة العامة تصل الى 837 مليار ليرة سنويا، ونسبة قطاع التعليم في لبنان تزيد على 9% بالنسبة الى الناتج القومي (60% للتعليم الخاص و40% للتعليم العام) وهي من اعلى النسب في العالم، لانها لا تتجاوز في الولايات المتحدة الاميركية الـ 7% وفي فرنسا الـ 6 % وتجدر الاشارة الى ان الـ 837 مليارا ليست الا حوالى 70% من فاتورة التربية بسبب التعويضات التي تدفعها الدولة لموظفيها، خصوصا عبر تعاونية الموظفين والجيش وقوى الامن الداخلي ووزارة الشؤون الاجتماعية. والفضيحة ان نسبة 75% من هذه التعويضات، اي ما يزيد على 250 مليار ليرة، تذهب للقطاع التربوي الخاص حيث يتعلم معظم ابناء الموظفين. والاحصاءات تشير الى ان هناك حوالى

 

 فاتورة التربية في لبنان مرتفعة جدا!

 50% من المدارس الرسمية تضم اقل من 150 تلميذا وان هناك استاذا لكل 9 تلاميذ وهذا الرقم فريد من نوعه في العالم! لكن وضع القطاع التربوي العام مخيب للآمال، اذ ان نسبة الاولاد الذين لا يلتحقون بمرحلة التعليم الاساسي هي 8% رغم وجود المدارس الرسمية، كما ان هناك 40% تقريبا من الشباب ما بين عمر 16 و18 سنة هم خارج المدرسة، مما يرتب كلفة اجتماعية باهظة على الدولة عبر ارتفاع نسب البطالة التي تصل الى حدود 40% عند بعض فئات المجتمع.

وهذا عائد في جزء منه الى ان قسما من اساتذة التعليم العام لا يحملون الشهادات اللازمة، وقد تم توظيفهم بناء على دعم سياسي ومعايير زبائنية او طائفية . وهذه التوظيفات الزبائنية و الطائفية ادت الى وجود 9 الاف استاذ لا حاجة اليهم من بين 40 الف استاذ في التعليم العام. اليس هذا الفساد لا تثمن كلفته؟!

 

وما يقال عن فائض الاساتذة في التعليم العام ينطبق على فائض الموظفين في الجامعة اللبنانية، التي هي ايضا اسيرة الفساد السياسي.

 

في ملف المهجرين

مع تأكيد قدسية قضية المهجرين التي تخص 90 الف عائلة (حوالى 450 الف مواطن) لكن نلاحظ ان وزارة المهجرين طالبت عام 1993 بـ600 مليون دولار لتصحيح وضع المهجرين، فيما صرف الى الان اكثر من 1,5 مليار دولار على هذا الملف، وما زالت الوزارة تطالب باعتمادات اضافية وما زال قسم لا يستهان به من المهجرين غرباء عن ارضهم! فأين ذهبت كل هذه الاموال واين صرفت وكيف؟ سؤال لا جواب عنه ولكنه يبقى مشروعا. وما يقال عن صندوق المهجرين يصلح ايضا على مجلس الجنوب.

 

... وفي ملف الشؤون الاجتماعية

ان موازنة وزارة الشؤون الاجتماعية لهذه السنة هي بحدود 109 مليارات ليرة، منها 106 مليارات مساهمات الى هيئات لا تتوخى الربح. علما انه لا مجال للمقارنة بالتفصيل مع ارقام السنة الماضية، وهذه نقطة سوداء في مدى شفافية هذه الارقام. فلا يكفي ان تصرف الاموال على قطاعات اجتماعية، بل الاهم ان نرى كيف تصرف هذه الاموال والى من تذهب ولماذا، وهل يتم استعمالها بشكل صحيح ام انها مجرد تنفيعات ومحاصصة؟

 

والى ان يتم وضع دراسات لتقييم فاعلية هذه التقديمات ومراقبة صحة صرفها يبقى الشك حائما حول الفساد الذي يطولها، وخصوصا حين نرى ان الوضع الاجتماعي في البلد عموما على حاله من المعاناة.

 

في ما سبق عرض مبسط للفساد الاجتماعي وكلفته في لبنان، على اساس ان هذا الفساد مختصر في قطاعات الصحة والتربية والشؤون الاجتماعية والاعتمادات المخصصة في الموازنة العامة للقطاع الاجتماعي. ان غياب الشفافية والارقام والدراسات الصحيحة والتعقيدات الخاصة بأساليب الفساد كلها عوامل تبعدنا عن تحديد الكلفة الحقيقية لهذا الفساد. كما اننا اغفلنا التطرق الى الفساد وكلفته في قطاع الكهرباء وفي قطاع المواصلات وفي الوظيفة العامة. وفي مؤسسة الاسكان الاجتماعي وفي القضاء او المخافر، ولكل هذا مفاعيل مباشرة وغير مباشرة على الاوضاع الاجتماعية للناس.

واذا كانت كلفة الفساد الاجتماعي تتخطى وبسهولة نصف مليار دولار سنويا، فما هي اسباب هذا الفساد ليتم تحديد طرق مكافحته؟

 

اسباب الفساد وسبل مكافحته

لقد ساهمت امور عدة في بلوغ هذه المرحلة من الفساد، منها مثلا تجاهل الموضوع لعقود، حتى بات من اعراف مجتمعنا ومزاياه، التي ان لم نفتخر بها، فاننا نعتبرها، على الاقل، امرا عاديا لا يستحق التوقف عنده لانه خارج عن نطاق قدراتنا. ومن اسباب الفساد ايضا غياب شرعية الدولة طوال الحرب اللبنانية واحتضانها بعد انتهاء الحرب لقسم من افراد الميليشيات الذين انضموا اليها مع عاداتهم وطقوسهم المعروفة من الجميع. وزاد الوضع تعقيدا تدني رواتب الموظفين والتدخلات السياسية في القضاء وعدم امكان المحاسبة من الناس وتعطيل دور مجلس النواب وتفشي الذهنية الاقطاعية والطائفية والاستقواء بالخارج وغياب او تغييب اجهزة الرقابة، والاستنساب في سن القوانين وتطبيقها، وانعدام ثقافة المواطنية وتقصير الاعلام في اداء واجبه في تبيان الحقيقة.

 

لقد اصبح الفساد، نتيجة الاسباب التي ذكرناها، ظاهرة اجتماعية بامتياز. وتعزز بشكل لافت عندما تبين لأربابه ان الديموقراطية في لبنان هي صورية اكثر منها فعلية، وان المحاسبة في سبات عميق ولن تستفيق على المدى القريب، والخوف في ان يكون الرأي العام بدوره قد دخل في مرحلة الكوما .

 

ان مكافحة الفساد امر ممكن ولو بتدرج. ففي فرنسا مثلا اذا راقبنا لائحة الحكومات المتعاقبة منذ 1992، نلاحظ ان من بين 128 وزيرا في هذه المرحلة، 34 منهم لوحقوا قضائيا بتهمة الفساد، اي ما يزيد على الربع وليس آخرهم رئيس الوزراء السابق آلان جوبيه، المقرب جدا من الرئيس الفرنسي جاك شيراك. وجرمه انه خلق وظائف وهمية في بلدية باريس، كان كافيا لوضع حد لحياته السياسية.

 

اما في ايطاليا والتي كانت تعتبر مرتعا للمافيات، فبعد عملية الايدي النظيفة التي قام بها قضاة شجعان وكلفت حياة بعضهم، فقد انخفضت فاتورة بعض المشاريع العامة من 35 الى 45%.

 

ولا يمكن الحديث عن مكافحة الفساد في لبنان من دون التطرق الى ترشيد ادارة النفقات العامة واصلاح الوظيفة العامة واصلاح القضاء والسياسات الضرائبية والسياسات العامة واقرار اللامركزية وتعميم الحكومة الالكترونية وتطوير المرافق والخدمات العامة.

 

كما يجب تحديث تبويب الموازنة العامة لإدخال المزيد من الشفافية ولمنع قسم كبير من اعتمادات الدولة من الخضوع لمعايير استنسابية في طريقة صرفه.

 

ان في قانون العقوبات اللبناني نصوصا تعاقب على اعمال الفساد مثل الرشوة، وصرف النفوذ، والاختلاس، واستثمار الوظيفة، واساءة استعمال السلطة، والاخلال بواجبات الوظيفة والاثراء غير المشروع، الى ما هناك من مظاهر اشارت اليها المادة 351 وما يليها من قانون العقوبات. لكن العبرة تبقى في التنفيذ. فالقانون في لبنان لا يطبق الا على الضعفاء او المعارضين نهج السلطة الحاكمة.

 

وفي هذا السياق يمكن اقتراح انشاء هيئة وطنية تضم شخصيات مرموقة وحيادية وغير مرهونة لاي جهة سياسية او طائفية تتألف مثلا من نقباء المحامين السابقين ومن قضاة متقاعدين وممثلي منظمات غير حكومية مشهود لها بنزاهتها وغيرهم، وتكون مهمة هذه الهيئة رصد الفساد في لبنان واقتراح السبل لمكافحته على ان يكون تمويلها مستقلا.

ان الفساد في لبنان لا يمحى بعصا سحرية، لان محوه هو وليد ثقافة تشجع على المواطنية، وارادة سياسية غير متوافرة حاليا، كما انه من صنع رجال دولة نفتقر اليهم.