"النهار"

الاربعاء 10 أيار 2006

57 عاماً على تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي

معارض في الموالاة وموالٍ في المعارضة صنع وأسقط رؤساء

مؤسّسه كمال جنبلاط غامر من أجل التغيير حتى الرمق الأخير

 

من الحلم باشتراكية اكثر انسانية، الى خوض غمار العمل السياسي موالاةً ومعارضةًً: هكذا عزز الحزب التقدمي الاشتراكي موقعه في المعادلة الداخلية، واضحى الرقم الصعب فيها، وغامر من اجل تغير قواعد اللعبة، قبل ثلاثة عقود ودفع الثمن الكبير! هادن رؤساء جمهورية، اسقط بعضهم ودعم بعضهم الآخر. في هذا التحقيق، وعلى حلقتين، محاولة لتسليط الضوء على ابرز المحطات في تاريخ الحزب، في ظل قيادة مؤسّسه الشهيد كمال جنبلاط ثم مع النائب وليد جنبلاط.

تحقيق عباس الصباغ

بعد اعلان ميثاق الحزب في حفلة الشاي، وبدا الصحافيان غسان تويني وفاضل سعيد عقل.

جنبلاaط يتوسط مؤسسي الحزب: فيليبيدس ونفاع ورزق وديب (من اليمين)، والعلايلي وجبران وصوايا (أول أيار 1949).

لقاءات الحركة الوطنية مع منظمة التحرير الفلسطينية وجنبلاط يتوسط عرفات (من اليسار) ونايف حواتمة. (من الارشيف)

لم يكن اختيار الاول من أيار لتأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي عبثياً، اذ اراد مؤسّس الحزب الشهيد كمال جنبلاط عبر ذكرى مجزرة شيكاغو (في العام 1886)، والتي ذهب ضحيتها عشرات العمال، تأكيد التزامه قضاياهم واحتضان مطالبهم. وقد عبّر عن ذلك في "حفلة الشاي" التي اقيمت في داره بعد ظهر يوم الاحد في العام 1949، لاعلان ولادة الحزب.

رحلة الزعامة

قبل تأسيس الحزب، وتحديداً في العام1943، جرت مبايعة كمال جنبلاط بالزعامة بعد وفاة ابن عمه حكمت جنبلاط، وذلك فور انتهاء مراسم الدفن مباشرة وكان عمره لا يتجاوز الـ25 عاما. وفي العام نفسه فاز في الانتخابات النيابية ودخل المعترك السياسي، واعلن جهارة صراعه العنيف مع قوى الانتداب الفرنسي ووقوفه الى جانب حكومة الاستقلال. وبعد الاستقلال واصل عمله السياسي مشددا على وجوب المحافظة عليه، وربط بين الاستقلال والعروبة، وبالتالي رسم خطاً جديداً لسياسة جديدة تناقضت مع توجهات محيطه "البورجوازي". ويذكر النائب الراحل حكمت جنبلاط الذي التقى المندوب السامي الفرنسي كاترو في حضور كمال جنبلاط، ان كاترو همس في اذنه: "ابن عمك اشتراكي".لكن الاشتراكية التي آمن بها جنبلاط كانت مختلفة لا بل متناقضة مع الاشتراكية العلمية (الماركسية)، وهو من القائلين بالاشتراكية "المتأنسنة".وبناء على هذا التوجه كان لا بد للزعيم الاشتراكي ان يدخل في مواجهات سياسية واحيانا عسكرية مع السلطة، وبدأ ذلك منذ العام 1947، واستمرت مع مرحلة تأسيس الحزب وفي المراحل التي تلتها.

أمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي المقدم شريف فياض يشرح ما رافق عملية تأسيس الحزب وعلاقة جنبلاط بالسلطة: "عند تأسيس الحزب في العام 1949، لم تكن علاقة القائد الشهيد كمال جنبلاط بالسلطة جيدة، وكان معترضا على الانتخابات النيابية التي وصفها بالمزوّرة (انتخابات العام 1949 الشهيرة)، والتي ادّت للتجديد للرئيس بشارة الخوري لولاية جديدة كان من المفترض ان تمتد الى ست سنوات. وقد عارض جنبلاط التجديد وتحالف مع الرئيس كميل شمعون وغيره، وأسس "الجبهة الوطنية الاشتراكية" (التي ضمت عددا من الشخصيات وابرزهم بيار اده، وغسان تويني، وعبدالله الحاج وغيرهم) التي ارغمت الخوري على الاستقالة في العام 1952. ودعم جنبلاط حليفه شمعون للوصول الى سدة الرئاسة، وتولى جنبلاط وزارة الاقتصاد، وحاول تحقيق بعض مطالب الفقراء، لكنه عجز، مما دفعه الى الاستقالة". ويعرّف فياض اشتراكية الحزب التقدمي بأنها "ليست متطابقة مع المنهج الشيوعي الذي طبّق في الاتحاد السوفياتي، لانه كان يعتبر ان الانسان هو الاساس في اي نظام. ولذلك سعى الى اشتراكية اكثر انسانية".

من جهته يرى القيادي السابق في الحزب التقدمي الدكتور خليل خليل ان جنبلاط ادرك ان لبنان والمشرق العربي في حاجة الى اشتراكية تضمن للانسان انسانيته وتتجاوز الاعراف والثقافات الموروثة، ويقول: "لقد كتب جنبلاط كثيرا عن الاشتراكية الانسانية ورأى لبنان من زاوية خاصة، ورجح ان يكون "يونان صغيرة"، واعتبر ان الديموقراطية نتاج للتطور التاريخي (...) وميثاق الحزب يتحدث عن الاشتراكية ولكنه يبتعد عن الصراع الطبقي الذي تكلم عليه كارل ماركس".

 

"الثورة" على الحليف

رغم ان الحزب التقدمي دعم الرئيس كميل شمعون للوصول الى سدة الرئاسة، الا ان شهر العسل لم يدم طويلا. وفي العام 1953 اسس زعيمه "الجبهة الاشتراكية الشعبية" المعارضة لعهد شمعون، كانت على تناغم مع المتغيرات في المنطقة: من انتصار ثورة يوليو (1952) في مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، مرورا بتداعيات العدوان الثلاثي على مصر، وصولا الى نتائج الانتخابات النيابية في لبنان عام 1957، والتي اعتبرها جنبلاط ومعظم اقطاب المعارضة غير نزيهة، وخصوصا ان شمعون كان يطمح الى تمديد ولايته. هذه الاسباب وغيرها وفرت التربة الخصبة لـ"الثورة المسلحة" التي قادها الحزب الاشتراكي مع حلفائه، اي ما عرف بـ"ثورة 1958" والتي انهت عهد شمعون، وفتحت ابواب القصر الجمهوري امام الجنرال فؤاد شهاب.

 

الموالاة والمعارضة

تنقل الحزب التقدمي الاشتراكي في العهود الرئاسية المختلفة بين الموالاة والمعارضة. ومنذ مشاركة زعيمه الراحل كمال جنبلاط في الحياة السياسية سعى الاخير جاهدا الى تحقيق برنامجه، ولو في الحد الادنى، لايمانه العميق بالانسان وايجاد نظام يضمن حقوق المواطنين.

ورغم مشاركته في الحكومات المتعاقبة، كان جنبلاط يتميز بمواقفه ويصح القول فيها: موالاة المعارض عند الانعطافات الحساسة، والمعارض داخل الموالاة عندما تنال او تحاول السياسات الحكومية النيل من حقوق الانسان اللبناني. ومن اجل شرح رؤيته، كان يواظب على عقد المؤتمرات الصحافية، ويكتب اسبوعيا ثلاث مقالات في "الانباء" (جريدة الحزب)، و"المحرر" و"Le Soir".

 

عسكرة النظام

توجس الزعيم الاشتراكي من العسكرة والاجهزة، ومع انه دعم الرئيس اللواء فؤاد شهاب في بداية ولايته، فان الوفاق لم يدم طويلا بين الرجلين، وخصوصا في النصف الثاني من ولاية شهاب، عندما ازداد نشاط الشعبة الثانية وتدخل العسكر في الشؤون السياسية، وهذا التوجس ما يزال حاضرا في ادبيات الحزب التقدمي.

ومن اجل القضية التي آمن بها، جاب جنبلاط العالم شرقا وغربا. وفي الوقت عينه كان "اول من منع التظاهر في ما سمي المنطقة الخضراء (وسط بيروت) اذا كان غير مقتنع بها، ويطلب منا (حسب احد القياديين السابقين في الحزب التقدمي)، عدم تجاوز تلك المنطقة ويتصدى لنا، لانه كان يدرك المخاطر (...)" وعندما دخل الحكومة في عهد الرئيس شهاب كان مقتنعا بأن تضم الحكومة مختلف القوى، وايضا كانت تلك رغبة شهاب، لذلك جمع الاخير الشيخ بيار الجميل وكمال جنبلاط في حكومة واحدة.

لكن هذه المشاركة لم تمنع تظهير تباين كبير بين الحزب التقدمي وحلفائه من جهة، وحزب الكتائب اللبنانية وحلفائه من جهة ثانية، وخصوصا بعد انتقال فصائل المقاومة الفلسطينية من الاردن الى لبنان بعد حوادث ايلول الاسود (1970)، ومساندة الحزب التقدمي والقوى الوطنية للثورة الفلسطينية.

 

الحركة الوطنية والبرنامج

اثناء الحرب اللبنانية استطاع كمال جنبلاط جمع اكبر عدد من الاحزاب اليسارية في جبهة واحدة، فكانت "الحركة الوطنية اللبنانية" التي تزعمها حتى اغتياله في العام 1977، وضمت: الحزب الشيوعي اللبناني، ومنظمة العمل الشيوعي وغيرهما من الاحزاب اليسارية، وصاغ جنبلاط مع رفاقه البرنامج المرحلي، وقدمه على اساس انه مخرج للازمة اللبنانية، وحمل في بنوده اجوبة وحلولا لبعض الاشكاليات اللبنانية. فماذا حقق الحزب التقدمي من هذا البرنامج؟ يقول فياض عن البرنامج المرحلي للحركة الوطنية: "انه ما زال صالحا في اسسه، ولكنه في حاجة الى تطوير لان الظروف التي رافقت اعلانه قد تغيرت، لذا لا بد من تطويره (...) اضافة الى ان الحزب لم يكن في اي مرحلة من نضاله يعمل منفردا بل عمل ضمن جهات وحركات منفتحة على الآخرين (...)".

من جهته يرى خليل ان البرنامج المرحلي جاء نتيجة الصراع الداخلي اذ "ان هذا البرنامج جاء اثر الصراع مع الشهابية، وكان جنبلاط يعتبر ان العهد الشهابي اهمل مطالب المزارعين والعمال، لذا عمل مع حلفائه على صوغ البرنامج المرحلي (...)".

لكن الانجاز التاريخي الذي حققه الزعيم الاشتراكي كان لدى توليه وزارة الداخلية ومنحه التراخيص للاحزاب اليسارية، رغم معارضة السلطة آنذاك. وفي هذا الاطار يؤكد مفوض الشؤون الداخلية في الحزب يحيى خميس هذا الانجاز ويقول: "من الصعب اختصار ما حققه الحزب خلال مسيرته، ولكن تم تحقيق الكثير من المطالب الاجتماعية والاقتصادية. وعلى سبيل المثال انشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والجامعة اللبنانية، اضافة الى الترخيص للاحزاب في العام 1970".

 

حزب الطائفة... والوطن

"عندنا حزب يا جدي، ليش ماشي خلف واحد نصراني؟". هذه العبارة – النصيحة ينقلها أحد الشبان من قرية شوفية عن جده، الذي لامه بشدة لانتسابه الى حزب يساري وعدم انضمامه الى الحزب التقدمي الاشتراكي.

الحزب، ومنذ لحظة تأسيسه، لم يكن حزبا درزيا. ويوم التأسيس توسط جنبلاط اعضاء الهيئة الادارية للحزب ومنهم: البر ديب، والشيخ عبدالله العلايلي وفريد جبران وجورج فيليبيدس وجان نفاع وفؤاد رزق وجميل صوايا، وبالتالي لم يكن الهدف تأسيس حزب درزي، لكن طبيعة النظام السياسي الطائفي في لبنان من جهة، وانتماء العدد الاكبر الى الحزب الى الطائفة الدرزية من جهة ثانية، جعلا الحزب والى حد بعيد حزب الطائفة. ويعلق خميس: "ليس لدينا عقدة، رغم أن العدد الاكبر من المنتسبين الى الحزب هم من الدروز. ولكن عندما نتحدث عن كمال جنبلاط والحالة الوطنية نجد ان الحزب استطاع ان يجعل النسبة الكبرى من الطائفة الدرزية في خط وطني علماني، يؤمن بالشراكة في البلد".

ليس غريبا ان تُفرز الاحزاب اللبنانية على أساس طائفي، لان قيام الدولة في لبنان ارتكز على الطوائف. ولكن الامر ذهب أبعد من ذلك مع الحزب التقدمي الاشتراكي، اذ تعاطت السلطة معه كممثل للطائفة الدرزية، في حين كان قائده رمزا وطنيا وأمميا في آن، ورغم ذلك كان يوصف دائما بالزعيم الدرزي. ربما يعود ذلك الى طغيان صفة القيادة في الحزب لطائفة معينة، وفي الوقت عينه كان من الاسهل على السلطة في لبنان ان تحاور الحزب التقدمي من موقعه الدرزي، على ان تتعاطى معه كممثل للاحزاب والقوى الوطنية.

 

المغامرة القاتلة

في مرحلة الحرب اللبنانية واشتداد المواجهات بين أحزاب الحركة الوطنية المدعومة من منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات من جهة، وأحزاب "الجبهة اللبنانية" من جهة ثانية، شعر جنبلاط ان ساعة الحسم العسكري قد دنت، وتلوح في الافق بوادر "التغيير الديموقراطي"، فعزم مع حلفائه على المضي في الخيار العسكري، لكن وجهات النظر بين جنبلاط وياسر عرفات لم تكن متطابقة وخصوصا خلال حرب السنتين، وانسحب ذلك على علاقته بسوريا. وفي اللقاء الاخير الذي جمعه بالرئيس السوري الراحل حافظ الاسد في 27 آذار 1976، أخفق الزعيم الاشتراكي في اقناع الاسد بوجهة نظره. وباتت الهوة بين الرجلين غير قابلة للردم. وجاء خطاب الاسد بعد حوالى أربعة اشهر ليدق الاسفين الاخير في نعش العلاقة الاشتراكية – السورية. في تلك الاثناء أكملت القوات السورية تقدمها نحو بيروت، وخاضت معارك محدودة مع القوى اليسارية وبعض الفصائل الفلسطينية، (دخلت القوات السورية الى لبنان ضمن قوات الردع العربية بعد قرار جامعة الدول العربية من أجل الفصل بين المتحاربين. لكن تلك القوات فشلت في مهمتها واضطرت الى الانسحاب تدريجا باستثناء القوات السورية).

لم يكن جنبلاط يتوقع دخول القوات السورية الى لبنان وراهن على مساعدة حلفائه السوفيات، وكذلك اعتقد ان مصر ستعارض ذلك التدخل، وفي أسوأ الاحوال لم يتوقع ان تقوم القوات السورية بمهاجمة القوى اليسارية والفلسطينية. وفي المقابل لم تستطع "هيئة الحوار الوطني" التي جمعت الاطراف اللبنانية المتحاربة التوصل الى حل سلمي.

شعر الزعيم الاشتراكي ان ساعة الحسم قد دنت، وسرت الاشاعات في خريف العام 1976 عن خطط لتصفيته. وفي صباح السادس عشر من آذار في العام 1977، وبينما كان متوجها في سيارته من المختارة الى عاليه، ولدى وصوله الى منتصف الطريق بين بلدتي بعقلين ودير دوريت، انهمر الرصاص من مكمن نصبه  مجهولون كانوا يستقلون سيارة "بونتياك" نبيذية اللون وتحمل لوحات عراقية مزورة. سقط زعيم الحزب التقدمي شهيدا مع مرافقيه حافظ الغصيني والعريف الدركي فوزي شديد. ودفع الحزب التقدمي ثمن التمسك باقتناعاته وبالتالي سارت الحرب الى النهاية المرسومة لها.

 

تزعّم النائب وليد جنبلاط الحزب التقدمي الاشتراكي بعد اغتيال والده الشهيد كمال جنبلاط، ولم يكن قد اتم عقوده الثلاثة. والمشهد اعاد الى الاذهان مبايعة كمال جنبلاط الزعامة بعد وفاة عمه ونسيبه حكمت جنبلاط.

منذ العام 1977 تسارعت وتيرة الحوادث في لبنان، مع استمرار الحرب الداخلية وارتفاع نسبة التدخل الخارجي، الى ان جاء الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 1982 والذي شكل منعطفاً حاداً في تاريخ الازمة اللبنانية. ومع رحيل المقاتلين الفلسطينيين عن لبنان خسر الحزب التقدمي والحركة الوطنية الحليف الاساسي. وفي المقابل بدأت ملامح خريطة جديدة ترتسم على وقع هدير الدبابات والطائرات الاسرائيلية.

 

الاجتياح وحرب الجبل

رغم ان اسرائيل اطلقت اسم "عملية الليطاني" على غزوها لبنان الا ان جيشها استمر في تقدمه في اتجاه العاصمة بيروت بعد سقوط مروع للمقاومة الفلسطينية في الجنوب. ولولا المواجهات البطولية للقوى الوطنية اللبنانية على مثلث خلدة (المدخل الجنوبي لبيروت) لكان الغزو اشبه بسياحة. دخلت القوات الاسرائيلية الى بيروت وكذلك الى قسم من الجبل، واحتلت بلدة المختارة مركز الزعامة الاشتراكية (...).

الوزير والنائب السابق محسن دلول الذي شغل منصب نائب رئيس الحزب التقدمي من العام 1978 وحتى العام 1987 يعلق على المرحلة التي عاشها لبنان والحزب اثناء الاجتياح الاسرائيلي وبعده، ويقول: "لم يكن احد يتوقع ان يصل الاجتياح الى العاصمة، وبالتالي لم يكن الحزب والاحزاب الوطنية على جهوزية كاملة لمواجهة الجيش الغازي وخصوصاً بعد انهيار المقاومة الفلسطينية حيث تقدمت قوات العدو دون اعاقات تذكر ووصلت الى خلده (...) ولدى دخول الاسرائيليين الى الجبل أصيب الحزب بنكسة (...) وبعد اسابيع تم تشكيل "جبهة الخلاص الوطني"، وشارك فيها الرئيسان الراحلان سليمان فرنجية ورشيد كرامي وغيرهما من اجل مواجهة التداعيات الخطيرة للاجتياح الاسرائيلي (...)".

من جهته يتوقف مفوّض الشؤون الداخلية في الحزب الدكتور يحيى خميس عند حادثة دخول رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق شمعون بيريز قصر المختارة المحاصر خلال الاحتلال الاسرائيلي للجبل ويقول: "(...) بعدما اجتاحت القوات الاسرائيلية الجنوب ووصلت الى الشوف كان رئيس الحزب (النائب وليد) جنبلاط محاصراً في قصره في المختارة، الذي دخله بيريز. ولم يصافحه جنبلاط، بل رافقه الى غرفة في القصر تحوي صور العائلة وشرح له تاريخها قائلا: "لن يكون تاريخي الا جزءاً من هذا التراث، ومن هذا التاريخ الوطني (...)".

بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجبل، اندلعت اعنف المعارك بين الحزب التقدمي الاشتراكي من جهة، و"القوات اللبنانية" من جهة ثانية. وسقط بنتيجتها عشرات الضحايا من المدنيين والعسكريين بين الطرفين، اضافة الى تهجير مئات العائلات المسيحية من قراها.

شكلت حرب الجبل صفحة سوداء في "كتاب الحرب اللبنانية" عمل الحزب التقدمي على ازالة آثارها تدريجاً، وكلّلتها المصالحة الوطنية عبر الزيارة التاريخية للبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الى الجبل في 4 آب 2001.

ويتوقف دلول عند ابرز المحطات التي رافقت حرب الجبل وتلتها ويعلق: "بعد الاتفاق العربي – السوري وبرعاية دولية من اجل وضع حد للحرب، التقت القوى والشخصيات اللبنانية المتنازعة في مؤتمري جنيف ولوزان (سويسرا)، وشارك النائب جنبلاط في حكومة الوفاق الوطني، ولكنه لم يكن مقتنعاً بنيات الرئيس (السابق) امين الجميل، وانعقدت اجتماعات عدة في قصر بعبدا وكان مطلبنا انسحاب "القوات اللبنانية" من الجبل وتسليم أسلحتها الى الجيش اللبناني. لكن "القوات" رفضت، واصرت على حقها في الوجود في اي منطقة لبنانية. وفي تلك المرحلة جاءت الوساطة السعودية، وشارك فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي تنقل بين عواصم القرار من اجل الوصول الى تسوية سلمية في لبنان (...)".

 

17 أيار... و6 شباط

من أبرز أهداف الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 1982، كان تحييد الأخير عن الصراع العربي – الاسرائيلي عبر ما عرف بـ"اتفاق 17 أيار" 1983.

وقف الحزب التقدمي الاشتراكي وحلفاؤه في الحركة الوطنية و"حركة أمل" وغيرها ضد الاتفاق واسقطوه بعدما تصدوا للقوات المتعددة الجنسية والتي وصلت الى لبنان في خريف العام 1982، وسط احتدام المعارك في الجبل وبيروت وضاحيتها الجنوبية. وأدّت "انتفاضة 6 شباط" في العام 1984 الى رسم خريطة جديدة للبنان، فانسحبت القوات المتعددة الجنسية، وتشكلت حكومة وفاق وطني شارك فيها الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط الذي استمر في موقعه الوزاري حتى توقيع اتفاق الطائف.

وعن مواجهة الحزب للقوات المتعددة الجنسية وخصوصاً الاميركية يقول دلول: "لقد واجه الحزب تلك القوات، وأذكر ان مستشاراً في السفارة الاميركية في بيروت (اصبح لاحقاً سفيراً في لبنان) زار مركز الحزب في منطقة جل البحر (بيروت) وسلمنا تهديداً من الادارة الاميركية لتعرضنا للقوات الاميركية، وابلغته آنذاك اننا سنتقدم بدعوى ضد بلاده بسب تدمير قواتها عدداً من المنازل في الجبل، وخصوصاً في الشويفات وسوق الغرب التي تعرضت الى قصف عنيف من البارجة "نيوجرسي" ولكن المستشار أبلغنا ان القوات الاميركية تعتبر نفسها في حالة حرب معنا (...)".

يضيف: "في تلك المرحلة كانت اتفاقية 17 أيار قد وُقّعت وصادق عليها مجلس النواب، وطلبنا من الرئيس أمين الجميل الذي لم يوقعها، أن يذهب الى واشنطن ويطلب الغاء الاتفاقية ووافق الاخير الا ان الشيخ بيار الجميل والرئيسين كميل شمعون وسليمان فرنجية عارضوا ذلك (...)".

 

الطائف... و"الرئيس الرابع"

انسجاماً مع مقررات الطائف، ورغم ان الاخير لم ينص على آلية واضحة للمصالحة الوطنية، خلع الحزب التقدمي الاشتراكي "بزته العسكرية"، وسلم أسلحته الى الدولة اللبنانية، وخصّ سوريا بلفتة مميزة وقدم اليها اسلحته الثقيلة، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الحزب والوطن. ومع ولادة الجمهورية الثانية بعد الاستقلال، شكّل جنبلاط رقماً صعباً في المعادلة الداخلية، ليصبح "الرئيس الرابع" في تركيبة حكم "الترويكا" التي صبغت عهد الرئيس السابق الياس الهراوي (1989 – 1998) واستطاع في الانتخابات النيابية الاولى بعد الحرب (1992) ايصال كتلة نيابية كبيرة الى مجلس النواب، وتكررت التجربة في الاعوام 1996 و2000 و2005.

واختار الحزب التقدمي التحالف "المتين" مع تيار رئيس الحكومة الاسبق الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الحكومة والمعارضة في آن، وتجلى ذلك غداة انتخاب العماد اميل لحود رئيساً للجمهورية في العام 1998. ويعتبر بعضهم ان تحالف الحزب الاشتراكي مع الحريري كان في غير محله، وخصوصاً ان الحزب يحمل برنامجاً يتناقض مع التوجهات الليبرالية لرئيس الحكومة. وظهر هذا قبل انعقاد المؤتمر التاسع للحزب في تشرين الثاني 2003، وفي عدة محطات كان أبرزها خلال اقرار مجلس النواب قانون الموازنة في العام 2002، اذ كان الاشتراكيون يتظاهرون امام المجلس ضد "موازنة الحكومة المجحفة"، في الوقت الذي كان فيه نوابهم يصوتون لمصلحة اقرار الموازنة.

آنذاك وصف احد قياديي الاشتراكي مشاركة الحزب في السلطة بـ"الجريمة"! وربما اتت ترجمة هذا القول خلال الانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا – عاليه  في العام 2002 غداة وفاة النائب بيار الحلو، حيث احجم قسم لا بأس به من الاشتراكيين وخصوصاً في قرى الشحار الغربي عن المشاركة فيها تعبيراً عن الاحتجاج على الاوضاع العامة، وخصوصاً الاقتصادية منها. يومها قال جنبلاط: "هزمت في الانتخابات لأنني لم أجيّش طائفياً أو غرائزياً وانما مطلبياً (...)".

من جهة ثانية، كانت المآخذ على التحالف مع الحريري "ان الاشتراكي يعطيه في السياسة أكثر مما يأخذه في الانماء وخصوصاً في الجبل".

ويرى النائب علاء الدين ترو ان الحزب لم يتخلَّ عن مطالب الفئات الشعبية رغم تحالفه مع "تيار المستقبل"، ومشاركته في الحكومات المتعاقبة، ويذكّر ببعض الاقتراحات التي يرفضها وزراء الحزب داخل مجلس الوزراء، ويعلق: "هناك نقاش دائم في الحزب حول القرارات التي تتخذها الحكومة، وبالتالي نرفض القرارات التي تمسّ حقوق الفئات الشعبية (...)".

من جهته يؤكد خميس تمسك الحزب التقدمي بنهج الشهيد كمال جنبلاط في نصرة الفئات الشعبية وتاريخ الحزب يشهد على ايلائه قضايا الفقراء الحيّز الاساسي في نضاله، ويشرح: "لا يزال الحزب ضمن هذا التوجه ولن يتخلى عن القضايا المطلبية، وهو يهدف الى اقامة الدولة الحاضنة لكل مواطنيها. وفي المجالات كافة، من التعليم الى الصحة والسكن وغيرها (...)".

ويشير الى ان الحزب يعدّ "خطة صمود وطنية واقتصادية شاملة في ظل تصاعد الازمة الاقتصادية".

في  الوقت عينه، يستمر تحالف الاشتراكي مع "تيار المستقبل"، وتعمق اكثر بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتكرس من خلال قوى 14 آذار، والتي شكل الحزب التقدمي رأس حربتها في اكثر من مناسبة.

 

العلاقة الملتبسة

مع سوريا

من أدبيات الحزب التقدمي، ان العلاقة مع سوريا تحكمها حقائق التاريخ والجغرافيا، اضافة الى التراكمات الحضارية والمصالح الاقتصادية، وان لبنان يعيش على رقعة جغرافية تحده سوريا واسرائيل والبحر، وانه من الطبيعي ان تكون سوريا الخيار الوحيد.

لكن الحزب يسجل اعتراضات عدة على الأداء السوري في لبنان، في الفترة التي تلت تطبيق (او محاولة تطبيق) الطائف. طبعاً كان هذا قبل 14 شباط 2005. في المقابل، لم تعرف علاقة الحزب بسوريا فترات استقرار وثبات، وظلت متأرجحة بين التحالف والافتراق واحياناً لامست حد "العداء"، وخصوصاً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

لكن الافتراق عن سوريا في مرحلة ما بعد الطائف، تجلى بعد زيارة البطريرك صفير الى الجبل في 4 آب 2001، وتكرست القطيعة معها بعد حوادث  7 آب 2001، الا ان تداعيات هجمات 11 ايلول في الولايات المتحدة الأميركية كانت كفيلة باعادة الوئام الاشتراكي – السوري. وفي المناسبة ليست المرة الاولى التي يقدم فيها الحزب الاشتراكي المصلحة القومية على الوطنية. ولم يسلم النائب جنبلاط من هجمات "التخوين" في تلك الاثناء، الى ان جاءت زيارة نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام الى قصر المختارة (2002)، والتي اعادت "تصويب البوصلة". الا ان شهر العسل مع سوريا لم يدم طويلا، ومع دعم الاخيرة للتمديد للرئيس لحود عادت الامور الى نقطة الصفر، وابتعد الحزب مجددا عن التحالف معها.

وجاءت محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة (1 تشرين الاول 2004) ومن ثم جرائم الاغتيال التي طاولت الشهيد الحريري ومرافقيه، (14 شباط 2005)، والنائب الشهيد باسل فليحان، والزميل الشهيد سمير قصير، والشهيد جورج حاوي، وصولا الى اغتيال النائب جبران تويني (12 كانون الاول 2005)، لتكرس القطيعة النهائية مع سوريا. وشنّ الحزب التقدمي اقسى الحملات ضد النظام السوري واتهمه بالوقوف وراء تلك الجرائم البشعة. وشارك الحزب في تلك الفترة بكثافة في التحركات الشعبية التي وصلت الى ذروتها، في 14 آذار 2005، عبر التظاهرة الشعبية الاضخم في تاريخ لبنان. وكرر ذلك في تظاهرة 14 شباط الفائت. ويذكر انه بين التظاهرتين تحالف الحزب التقدمي في الانتخابات النيابية (2005) مع "حزب الله"، وحركة "امل"، من خلال ما عرف بالتفاهم الرباعي، والذي ضم ايضاً "تيار المستقبل". وكذلك  تحالف مع "القوات اللبنانية" وغيرها. دلول يصف العلاقة بين الحزب التقدمي وسوريا بـ"المبارزة"، التي تقوم على مبدأ "من يصعّد اكثر".

ويعتقد ان هناك من يحرّض ويضلّل في لبنان وسوريا. من جهته يرى ترو ان الحزب التقدمي لا يعتبر سوريا الدولة والشعب عدواً للشعب اللبناني، وخصوصا ان الحزب يرفع شعارات الحرية والاشتراكية والعروبة، ولكنه يرفض اعادة عقارب الساعة الى الوراء، وبالتالي عدم اعتراف سوريا باستقلال لبنان.

ويعلق: "كان الحزب حليف سوريا في سبيل دعم القضايا العربية، ولكن بعض الممارسات الخاطئة التي يقوم بها النظام السوري وعمليات التصفية التي نفذها بحق بعض اللبنانيين، اضافة الى عدم اعتراف سوريا باستقلال لبنان وسيادته، كلها من الامور التي يجب أخذها في الاعتبار(...)". ويذكّر ان الحزب اول من طالب بالوحدة العربية على اساس عقلاني، اضافة الى تطلعاته لإنشاء سوق عربية مشتركة.

 

الحزب... واليسار

"انا اشتراكي لأني احب العدل والاخاء والحرية (...) واعتقد ان الاشتراكية روحية يجب ان تتحقق في النفوس قبل تحققها في الانظمة والمؤسسات...". تأميم جميع المؤسسات التي لها صفة عمومية او لها اهمية خاصة في اقتصاديات البلاد، او في حياتها الاجتماعية والسياسية (...)"، هذا بعض ما جاء في ميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي. هذه المقدمة ليست لتأكيد اشتراكية الحزب فهو اصلا اشتراكي، وبالتالي هو في صميم اليسار اللبناني، الذي يعاني مشاكل جمة.

ولأن الحزب الاشتراكي من ضمن هذا اليسار جاءت دعوة رئيسه قبل ثلاث سنوات الى توحيد اليسار (او ما تبقى منه) لكن الدعوة آنذاك لم تلق حرارة لدى اليساريين، وخصوصا لدى الحلفاء التاريخيين الذين اخذوا على جنبلاط ابتعاده من التحالف معهم منذ سنوات. وكرر الاشتراكي دعواته لاحياء اليسار على اسس جديدة واوصى بنقد ذاتي للتجربة السابقة، علما ان اول من قدم هذا النقد الذاتي كان الحزب الشيوعي اللبناني حليف الحزب الاشتراكي على مدار اكثر من خمسة عقود. ويبقى السؤال: اين اصبح توحيد اليسار بعد كل المتغيرات في لبنان. يجيب ترو جازما "ان توحيد اليسار ما زال مطروحا رغم ان نسبة التركيز على الموضوع ترتفع او تنخفض حسب الظروف".

ويؤكد ان الحزب لا يزال حزبا يساريا ويتمسك بوحدة اليسار ويقول: "الحزب التقدمي لا يزال حزبا يساريا تقدميا، ويعمل من اجل تحقيق مطالب العمال والفلاحين وتأمين العدالة والحرية والطمأنينة الاجتماعية (...) لكن الحزب لا ينكر ان مشاكل الدولة تتناقض في بعض الاحيان مع مصالح العمال والفلاحين وبعض الفئات الاجتماعية (...)". ويذكّر ترو ان للحزب التقدمي ملاحظات كثيرة على السياسة الاقتصادية للحكومة وخصوصا الورقة الاصلاحية، والتعاقد الوظيفي والخصخصة. وفي المقابل لا يمانع في اشراك القطاع الخاص مع الدولة في ادارة "المؤسسات المتعثرة".

وفي الآونة الاخيرة ينشط الحزب وخصوصا منذ مؤتمره التاسع 2003 في سبيل اشراك الشباب في مجلس قيادته، اي ما يعرف بالتجديد نظرا الى ان متوسط عمر القياديين فيه يراوح بين 40 و50 عاما. وقد اطلق جنبلاط دعوة الى الشباب للترشح الى المناصب القيادية وادخلت تعديلات تنظيمية من اجل ضخ دم جديد في الشرايين، ويسجل نجاح في هذا الاطار ينعكس ايضا في الدور الذي تلعبه "منظمة الشباب التقدمي" (تأسست في العام 1954 بعد استشهاد حسان بو اسماعيل اثر تظاهرة طالبية) ومساهمتها الفاعلة في "انتفاضة الاستقلال – 05"، وهي تحظى برعاية خاصة من رئيس الحزب.

• • •

...هو الحزب التقدمي الاشتراكي: المعارض والموالي. المهادن والمنتفض، على قاعدة ان الثابت الوحيد في السياسة انها متغيرة، وهي اصلا فن الممكن، فهل احسن الحزب اتقان هذا الفن؟!