"النهار"

الثلثاء 17 كانون الثاني 2006

بعدما ردّ رئيس الجمهورية القانون الرامي الى تعديل بعض أحكام إنشائه

المجلس الدستوري أبرز إنجازات الطائف

هل تحوّل أداة تجاذب دائمة بين الأكثرية والأقلية ؟

تحقيق عباس الصباغ

 

"اسمحوا لي يا فخامة الرئيس ان اكون ناكرا للجميل". بهذه العبارة توجه القاضي الفرنسي روبير بادنتير الى رئيس جمهوريته فرنسوا ميتران بعدما عينه الاخير رئيسا للمجلس الدستوري الفرنسي. واذا كانت هذه الكلمات تختصر الواقع في هذا المجلس، فما حال المجلس الدستوري اللبناني بعد اكثر من عقد على انشائه، وما ابرز قراراته واشكالياته وخصوصا بعدما رد رئيس الجمهورية القانون الرامي الى تعديل بعض احكام انشائه؟

المجلس الدستوري الاول.

الرئيس حسين الحسيني.

النائب بطرس حرب.

الدكتور زهير شكر.

غبريال المر مقترعاً في 2000.

"المعزل" ضرورة ام ديكور في الانتخابات؟

اذا كان القضاء بخير فان الدولة كذلك. هذا ما اوحاه رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل ابان الحرب العالمية الثانية. ولكن كيف تكون الحال اذا حاول بعض "اركان" الدولة تشويه القضاء واحيانا الدستور من اجل غايات شخصية ومصالح داخلية انسجاما مع رغبات خارجية؟

وقد تصل الامور الى حد الكارثة، اذا ما تعلق الامر بالقضاء الدستوري الذي وضعت اسسه في وثيقة الوفاق الوطني (الطائف) التي صدقها مجلس النواب في الخامس من تشرين الثاني 1989، وجاء فيها تحت عنوان المحاكم: "ضمانا لخضوع المسؤولين والمواطنين جميعا لسيادة القانون وتأمينا لتوافق عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية مع مسلمات العيش المشترك وحقوق اللبنانيين الاساسية المنصوص عنها في الدستور(...) ينشأ مجلس دستوري لتفسير الدستور ومراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية(...)" وجاء القانون الدستوري الرقم 18 الصادر في 21 ايلول 1990 ليؤكد إنشاء المجلس الدستوري، اذ نصت المادة 19 منه: "ينشأ مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية(...) تحدد قواعد تنظيم المجلس واصول العمل فيه وكيفية تشكيله ومراجعته بموجب قانون".

ولكن هذا القانون لم يصدر الا في العام 1993، اي بعد اجراء الانتخابات النيابية التي قاطعتها شرائح واسعة من اللبنانيين. وربما كان الامر مقصودا، علما ان مجلس النواب كان بدأ دراسة مشروع القانون الذي قدمه وزير العدل السابق الراحل خاتشيك بابكيان في 12 كانون الاول 1991، ولكن الجدل حول طريقة تعيين الاعضاء ادى الى عدم إقرار قانون انشاء المجلس، علما ان اقتراحات عدة قدمت، ومنها ان يعين الرؤساء الثلاثة اعضاء المجلس الدستوري(...) او ان يتم التعيين في مجلس الوزراء باعتبار الاخير ممثلا لجميع الطوائف. يومذاك استغرب الرئيس حسين الحسيني ما اسماه "ولادة طائف جديد في مجلس الوزراء"، واصر على ضرورة وضع ضوابط للدولة ولكل المؤسسات قبل الاصلاحات الدستورية، واصفا النظام قبل الطائف "بولاية الفقيه" التي يفتقر الى الفقه(...) ولم تحسم طريقة التعيين وبالتالي لم يقر قانون انشاء المجلس الدستوري. وجرت الانتخابات النيابية في ظل غياب الهيئة الدستورية المنوط بها مراقبة دستورية قانون الانتخاب وقبول الطعون النيابية.

 

المجلس الاول... انجازات

في 14 تموز 1993 صدر القانون 250 الذي حسم طريقة تعيين الاعضاء في المجلس الدستوري، وبالتالي نظم آلية عمله. وبموجبه انيط بمجلس النواب والوزراء تعيين الاعضاء العشرة مناصفة من دون ان تُحل الاشكالية الاساسية، والتي تكمن في انه لا يمكن مؤسسة دستورية ان تعين الهيئة المولج بها مراقبتها. علما ان اقتراحات عدة تم تداولها، ابرزها ان يتم التعيين عبر هيئات اكاديمية وحقوقية تكون بعيدة من تأثير السياسيين. ورغم ذلك استطاع المجلس الدستوري الاول (1994 – 2000) لعب دور بنّاء في مراقبة دستورية القوانين وابرزها ابطال بعض المواد في قانون الانتخاب الرقم 530/96، وكذلك النظر في الطعون النيابية حيث قبل 4 مراجعات من اصل 17 قدمت اليه، وبالتالي ابطال نيابة 4 نواب، ومن جهة ثانية اضحى رادعا للنواب لدى مناقشتهم القوانين.

ويوضح الحسيني: "في الفترة الاولى اثيرت ضجة حول ضرورة انشاء المجلس الدستوري. واعتقد ان السلطة التي لم تقدّر اهمية هذا المجلس ندمت على اختيار شخصيات ذات كفاءة عالية لعضويته، حيث اصبح رادعا للعمل التشريعي من دون تقديم طعون في دستورية القوانين. هذا ما نتبينه عبر مراجعة محاضر مجلس النواب. اذ، لمجرد الشك ان النص يمكن ان يخالف الدستور، كان النواب يتنبهون الى امكان الطعن فيه، وهذا شكل رادعا وحال دون جنوح الاكثرية الى اصدار القوانين المخالفة للدستور(...) اضافة الى ابطال قوانين عدة متعلقة بالحريات العامة وصولا الى قبول الطعون في الانتخابات النيابية التي جرت في العام 1996، وهذا ما دفع السلطة الاجرائية الى التفكير في وضع يدها على المجلس(...)".

وينتقد الحسيني تعيين بعض القضاة في المجلس والذين كانت لهم مواقف ضد وثيقة الطائف، ويذكر ان الاصلاحات الدستورية جاءت بعنوان: "... تنفيذا لوثيقة الوفاق الوطني والاسباب الموجبة كانت هذه الوثيقة".

من جهة يرى النائب بطرس حرب ان المجلس الدستوري يجب ان يتم تشكيله بالطريقة التي تتلاءم مع اهمية دوره، ويثمّن التجربة الاولى التي رافقت عمل المجلس منذ انشائه ويحمّل السلطة مسؤولية تراجع ادائه بعدما اكتشفت اهمية دوره مما ادى الى تحوله اداة للتجاذب السياسي بين اقطابها، ويقول: "ان المجلس الدستوري، وبما يتمتع به من صلاحيات، كان يجب ان يكون تشكيله متماشيا مع اهمية دوره وبالتالي يعتبر اختيار اعضائه عملا دقيقا ومهما(...) وكان الاختيار الاول لاعضائه مهما، وكانت التجربة ناجحة الى حد كبير، ولم يعطلها الا المزج بين الدور الدستوري والاعلامي لاعضائه، مما سمح في ابداء بعض الملاحظات على ادائهم علما انه تم اختيار افضل رجال القانون المشهود لهم بالكفاءة والاستقلالية(...)" ويضيف: "بعدما اكتشفت السلطة اهمية هذا المجلس بدأت بوضع يدها عليه عبر زرع المحاسيب والازلام من اجل تسخيره لخدمة مآرب وغايات اقطابها، وبدأ دور المجلس في التراجع وتحول اداة في التجاذب السياسي، وهذا ما سمح باصدار قرارات متناقضة مع المبادئ الدستورية العامة، وابرزها ابطال نيابة غبريال المر (2002)، اضافة الى تفسير قانون الانتخاب بشكل متناغم مع اهواء السلطة(...) ما حمل عددا كبيرا من النواب على الانكفاء عن مراجعة المجلس الدستوري".

وفي هذا الاطار يثمّن استاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية الدكتور زهير شكر دور المجلس الدستوري في المرحلة الاولى، ويعتبر ان انشاءه شكل خطوة متقدمة لوضع الضوابط للعمل التشريعي، وتأكيد وجود هيئة تنظر في الرقابة على دستورية القوانين، ويعلق: "المرحلة الاولى من عمل المجلس كانت جيدة جدا لجهة قبول عدد من المراجعات التي قدمها النواب لابطال بعض القوانين المخالفة للدستور، وكذلك قبول بعض الطعون النيابية في العام 1996(...)". ويسجل على المجلس عدم تعمقه في دراسة الطعون النيابية بعد انتخابات العام 2000.

 

محاولة اصلاح ام... إعدام؟

لم يستطع المجلس الدستوري الحفاظ على الوتيرة التي بدأ بها عمله، وخصوصا بعد العام 2000، نظرا الى اعتبارات عدة، ومنها احجام النواب عن تقديم مراجعاتهم الى المجلس، خوفا من ان يؤدي التوازن السياسي داخله الى تكريس حالات غير قانونية وبالتالي اعطائها الصفة الدستورية(...) اضافة الى الرغبة في اعادة الاعتبار الى المجلس الدستوري (بحسب تعبير بعض النواب).

وربما يكون هذان السببان وغيرهما وراء اقتراح القانون المعجل الذي اقره مجلس النواب ورده رئيس الجمهورية لتعديل بعض احكام القانون 250/93، والذي قدمه النائبان بطرس حرب وبهيج طبارة. يذكر ان اقتراح القانون اجاز ان تبقى الطعون التي قدمت الى المجلس الدستوري قبل صدور القانون الجديد خاضعة للقانون السابق (رقم 250/93).

ويصف الحسيني القانون الذي كان يرمي الى تعديل بعض احكام انشاء المجلس الدستوري بانه إعدام للمجلس، ويفضل في هذه الحالة تعديل الدستور وجعل المجلس غرفة من غرف مجلس شورى الدولة، ويشرح: "ان المجلس هو صمام الامان للبلاد، لانه اذا صدر، على سبيل المثال" قانون يؤدي الى خلل في ميثاق العيش المشترك وفي ظل جموح الاكثرية، فمن هو المرجع الذي يبطل هذا القانون؟ اضافة الى ان انتقال المجلس الدستوري من هيمنة الاكثرية السابقة الى هيمنة الاكثرية اللاحقة يجعله اسير الضغوط، بينما المطلوب هو ضمان استقلالية المجلس حيث يبقى بمنأى عن التجاذب(...)". ويؤكد انه ضد الابقاء على هذا المجلس بصيغته الراهنة كي لا يتسبب في الاضرار بالاجتهادات الجديدة.

ويعلق حرب: "ان الحل الحقيقي هو في اعطاء المجلس الدستوري دوره الحقيقي والانتهاء من زمن المحاسيب والعودة الى اختيار افضل العناصر في لبنان لتشكيل المجلس، ونحاول عبر هذا القانون وضع الشروط والقواعد التي تحد من امكان التدخل السياسي، وخصوصا ان السلطة السياسية هي الجهة المخولة تعيين الاعضاء، وبالتالي من غير الممكن ان يزال الطابع السياسي بشكل مطلق (...) وقصدنا وضع القواعد والاصول التي تحول دون الالتفافات التي تحصل في الكواليس والزواريب والظلمة...".

اما شكر فيعتبر ان القانون غير دستوري، اذ يجب ان يكون عبر قانون اساسي Loi Organique وبالتالي يتم اقراره عبر ثلثي اصوات مجلس النواب حفاظا على الاستقرار في التشريع الدستوري(...) ويوضح: "لا يجوز اختصار ولاية الاعضاء، ويجب وضع القوانين المنظمة المجلس الدستوري(...) ولكن ما جاء في القانون الجديد حول الاجازة لخمسة نواب تقديم ترشيح احد الاعضاء هو امر مهم".

 

الخلل... والحل

بينت التجربة ان تعثر المجلس الدستوري، وخصوصا الحالي، يعود الى عدم استكمال تعيين اعضائه، مع التذكير بان الحكومات المتعاقبة لم تقدم على تعيين حصتها في المجلس منذ 25 آب 2003. ولكن ربما يكمن الخلل في النقص في النصوص الدستورية، اذ لم تأت المادة 19 من الدستور على ذكر عدد اعضاء المجلس وبطبيعة الحال لم تنظم آلية تعيينهم، علما ان الدستور لا يدخل في التفاصيل بل يضع المبادئ العامة. ولكن في الوقت عينه تطرقت المادة 80 من الدستور والتي نصت على تشكيل المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الى عدد اعضاء المجلس وآلية اصدار القرارات. ويبقى السؤال: هل ان النواب (او بعضهم) الذين اجتمعوا في الطائف توجسوا من ايجاد مؤسسة تراقب اعمالهم التشريعية وهم ممثلو الشعب، والاخير هو مصدر كل السلطات؟ علماً ان المجلس الدستوري لا ينظر عفواً (من تلقاء نفسه) في دستورية القوانين. ومن جهة ثانية: هل كان من الضروري وجود سلطة تراقب عمل المجلس الدستوري، ام ان القانون الذي نظّم عمله كان الكفيل في سد الثغر.. ومنها آلية التعيين؟ يظهر من النقاشات التي دارت حول اقتراح القانون الرامي الى تعديل قانون انشاء المجلس الدستوري والذي اقرّه مجلس النواب وردّه رئيس الجمهورية، ان النقطة الجوهرية تكمن في آلية تعيين الاعضاء، باعتبار ان النص الدستوري (المادة 19) لم يعط مجلس النواب ومجلس الوزراء الحق في التعيين.

واقترح الرئيس الحسيني في الجلسة ان يقوم مجلس القضاء الاعلى او مجلس شورى الدولة او هيئة مكتبه والعمداء الخمسة لكليات الحقوق باقتراح عشرين شخصاً، على ان يختار مجلس النواب ومجلس الوزراء عشرة لعضوية المجلس الدستوري (...). اما عن النقص في النصوص الدستورية التي تنظم عمل المجلس فيوضح الحسيني: "ربما كان هناك نقص في هذه النصوص، ولكن هناك مبادئ عامة تحكم عمل المجلس، وليس في امكان احد ان يعين من يراقبه. والدستور لم يعط مجلس النواب ومجلس الوزراء الحق في تعيين اعضاء المجلس الدستوري". ويذكّر ان القانون 250/93 مخالف للدستور.

ويؤكد حرب ان الدساتير عادة لا تدخل في التفاصيل بل تطرح المبادئ العامة التي تتم ترجمتها عبر القوانين، ولا يعتقد ان هناك نقصاً في المواد الدستورية لهذه الناحية، ويضيف: "لا عيب اطلاقاً ان توجد مؤسسة الى جانب البرلمان تلفت نظر الاخير الى الاخطاء الدستورية التي يمكن ان يرتكبها النواب، لان الجميع معرض للخطأ، علماً انه في الطائف ولدى مناقشة إنشاء المجلس الدستوري لم يكن جميع النواب ومع احترامي وتقديري لهم على معرفة واطلاع على اهمية هذا المجلس (...)".

ويجزم شكر انه لا يمكن مراقبة عمل المجلس الدستوري الا عبر التعديل الدستوري ويسأل: "كيف في الامكان مراقبة المجلس ومحاسبته اذا ما ارتكب خطأً جسيماً على غرار القرار الذي ابطل نيابة غبريال المر؟ علماً انه كان من المفترض ان يصار الى الغاء خدمات القاضي او القضاة الذين ارتكبوا هذا الخطأ، واذا كان هذا الامر يطبق في القضاء العدلي، فمن الاولى تطبيقه في القضاء الدستوري".

 

القرار الحر..

في الرابع من تشرين الثاني 2002 اصدر المجلس الدستوري قراراً مثيراً للجدل ابطل بموجبه نيابة المهندس غبريال المر بعد الانتخابات النيابية الفرعية في المتن عقب وفاة النائب البير مخيبر. ويعلّق المر: "القرار في اساسه غير قانوني، ويتضمن اخطاء كثيرة اهمها ان من اعلن فوزه في الانتخابات (النائب غسان مخيبر) لم يتقدم بدعوى امام المجلس، مما يشكل مخالفة للمبدأ القانوني العام. من جهة ثانية ليس من صلاحية المجلس ان يقرر ما اذا كانت الظروف تسمح او تحول دون اعادة الانتخابات، لان القرار يعود الى السلطتين التشريعية والتنفيذية (...).

ويصف الحسيني القرار بـ"فضيحة الفضائح"، ويذكّر بالاجتهاد الذي سبق واصدره المجلس حول جواز عدم استخدام "العازل" (المعزل) في اقلام الاقتراع (...) ويستغرب صدور قرار آخر يعتبر فيه ان البنود التي نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني والتي لم تدخل في الدستور لا تتمتع بالقيمة الدستورية، اي انها ذات قيمة غير دستورية مما "ينسف" تلك الوثيقة.

من جهته يضع حرب هذا القرار (قرار ابطال نيابة المر) في خانة القرارات المتناقضة مع المبادئ الدستورية العامة والتي لا يمكن الدفاع عنها اطلاقاً نظراً "الى وقوع المجلس الدستوري في لعبة التجاذب السياسي بين افراد السلطة".

ولا يخالف شكر هذا السياق، ويعتبر القرار سياسياً بامتياز، وخصوصاً ان المجلس "ربط مسألة اجراء الانتخابات بالصراعات الدولية، وبالتالي حفر قبره بنفسه في ظل ظروف لم يعتقد انها ستتغير".

 

أبرز قرارات المجلس

اصدر المجلس الدستوري عدداً لا بأس به من القرارات والاحكام في المراجعات التي قدمها للنواب، وتوزعت بين الطعون النيابية والنظر في دستورية القوانين. واللافت ان قرارات المجلس الاول، والذي امتدت ولايته من العام 1994 وحتى العام 2000 (تخللها استقالة الرئيس وجدي الملاط في 2 نيسان 1997 بسبب الضغوط السياسية) كانت مختلفة عن قرارات المجلس الثاني (الحالي)، الى حد اعتبر فيه كثيرون ان اداء المجلس الاول كان ممتازاً واستطاع البت في الطعون النيابية غداة انتخابات العام 1996 وقرر ابطال نيابة كل من النواب: فوزي حبيش، وهنري شديد، وخالد ضاهر، واميل نوفل. في المقابل ردّ المجلس الثاني كل الطعون النيابية في العام 2000 وخلال فترة زمنية قصيرة (شهر واحد).

اما ابرز القوانين التي قبل المراجعة بشأنها فكان قانون التنصت، اذ ابطل المجلس في 24 تشرين الثاني 1999 المواد 8 و15 و16 من القانون 140/99 المتعلق بصون الحق في سرية المخابرات (...) بسبب مخالفتة الدستور لجهة مبدأ المساواة امام القانون وكذلك مبدأ فصل السلطات، وهذه الاسباب استند اليها الطاعنون في القانون، وكذلك ابطال بعض المواد في قانون الانتخاب (القانون 530/ 96). في المقابل رد معظم المراجعات بعد العام 2000 وابرزها المتعلقة بالقوانين الآتية:

- دمج المجالس (القانون 295/ 2001).

- اصول منح الرخص (الهاتف الخليوي)، القانون 393/2002.

- خدمة الدين العام (حساب ادارة وخدمة وتخفيض الدين العام)، القانون 430/2002.

وقبل الطعن جزئياً في القانون 379/ 2001 (الضريبة على القيمة المضافة).

 

القرار الاخير

في 6 آب الفائت اصدر المجلس القرار الرقم 1/2005، والذي ابطل بموجبه القانون 679/ 2005 المتعلق بتأجيل النظر في المراجعات امامه ريثما يتم استكمال تعيين الاعضاء. وجاء القرار بعد مراجعة قدمها عشرة نواب من "تكتل التغيير والاصلاح". ولكن المجلس وبعد 48 ساعة على قراره المذكور، قرر التوقف عن العمل وقدم رئيسه القاضي امين نصار اضافة الى اربعة اعضاء آخرين استقالتهم من اجل الضغط على الحكومة لتعيين العضوين اللذين انتهت ولايتهما في 25 آب 2003.

ويعلق الحسيني على توقف المجلس عن العمل: "ليس له الحق في التوقف عن العمل، حتى لو انتهت ولاية اعضائه لان الامر يتعلق بمبدأ دستوري اي واجب تأمين استمرار المرافق العامة، ودعم جواز الفراغ فيها، وهذا المبدأ اصبح مكرساً في الدستور، وخصوصاً ما جاء في المادة 55: "(...) تستمر هيئة المكتب في تصريف اعمالها حتى انتخاب مجلس جديد (...)".ويعطي مثلاً على ذلك توكيل محام في دعوى معينة. ففي حال انتهاء الوكالة ولم يلجأ الموكل الى تجديدها او تعيين محام آخر وصودف موعد المرافعة او تقديم لائحة جوابية "يبقى على المحامي الذي انتهت وكالته واجب القيام بوظيفته، وفي حال امتناعه يمكن لموكله ان يلاحقه في ماله الشخصي وكيف هي الحال مع القضاة؟".

 

القانون الذي لم يبصر النور

لم يكن مستغرباً (حسب معظم المتابعين) ان يعمد رئيس الجمهورية الى رد القانون الذي اقره مجلس النواب والرامي الى تعديل بعض احكام القانون 250/93، ومنها المادة الثالثة التي تنص على آلية اختيار اعضاء المجلس الدستوري والشروط التي يجب ان تتوافر في كل منهم. ومما جاء في النص الجديد: "يتم اختيار ثمانية اعضاء المجلس الدستوري من بين القضاء العاملين او قضاة الشرف الذين مارسوا القضاء العدلي او الاداري لمدة خمس وعشرين سنة (...) وعضوين من حملة شهادة الدكتوراه في اي من العلوم السياسية والقانونية (...)".اما في النص الحالي: "يتم اختيار اعضاء المجلس الدستوري من بين القضاة السابقين (...) مدة عشرين سنة (...)"، وكذلك تعديل المادة 12 التي تنص على طريقة التصويت حيث كان يجب ان تتوافر اكثرية 7 أصوات في المراجعات المتعلقة بالرقابة على دستورية القوانين، والاكثرية النسبية من الاعضاء الحاضرين في الطعون والنزاعات الناشئة عن الانتخابات النيابية، اضافة الى ان المخالفات التي يسجلها الاعضاء تبقى شفهية ولا تنشر في القرار.

وجاء في النص الجديد ان القرارات تتخذ بأكثرية سبعة اعضاء على الاقل في الحالتين، اضافة الى اعتبار المخالفة التي يبديها العضو او الاعضاء جزءاً لا يتجزأ من القرار وتنشر وتبلغ.

وكذك انهاء مدة ولاية اعضاء المجلس الحاليين فور اكتمال تأليف المجلس وحلف اليمين القانونية (...) خلافاً لاحكام المادة الرابعة من القانون 250/ 93.

وابرز ما استند اليه رئيس الجمهورية في رد القانون اعتباره مخالفاً للمادتين 19 و20 من الدستور وقواعد التشريع (...) اضافة الى ضرورة احترام مبدأ الفصل بين السلطات، واعطاء المجلس الدستوري الضمانات كلها لاستقلاله وحياده، اذ بات ضامناً لحقوق الاقلية النيابية...، واخذ على القانون عدم تمتعه بالشمولية واخلاله بمبدأ المساواة، اضافة الى ان اختيار الاعضاء من بين القضاة العاملين في القضاء يفضي الى افراغ ملاك كل من القضاء العدلي والاداري وسائر اجهزة الرقابة القضائية من عناصر عاملة قد تكون احوج اليها بفعل الموقع والممارسة والخبرة (...) اضافة الى ان تحديد اكثرية موصوفة (سبعة اعضاء على الاقل) لاتخاذ المجلس قراراته في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات النيابية التي قد تقدم لاحقاً الى المجلس بحيث قد تجمد اقلية من اربعة اعضاء صدور قرار عن المجلس بابطال النيابة توافق عليه اكثرية من ستة اعضاء (...).

يذكر انه في حال اصر مجلس النواب على القانون بصيغته الاولى ولم يأخذ بالملاحظات التي ابداها رئيس الجمهورية، يستطيع اقراره بالغالبية المطلقة (65 نائباً) ويصبح نافذاً.