"النهار" الثلثاء 21 كانون الاول 2004

التزوير الانتخابي في لبنان: أسرار وتقنيات  

تأخير إصدار قانون الانتخابات سلاح سلطوي لمفاجأة المعارضين

وعدم إلزامية الاقتراع داخل العازل هدفه "ترهيب" الناخبين

التزوير الانتخابي مدرسة لها اختصاصيوها وخبراؤها، وهم لا ينتمون الى فريق من دون آخر، اذ يجد الباحث في التاريخ الانتخابي "مواد" دسمة في تقنيات التزوير واشكال التحايل التي يلجأ اليها كل طرف.

--------------------------

تحقيق صبحي منذر ياغي

ان عالم التزوير الانتخابي مليء بالتقنيات والاساليب التي تسبق العمليات الانتخابية، وبالممارسات التي ترافق هذه العمليات.

ان افضل قانون انتخابي لا يعطي النتائج المرجوة اذا كانت الادارة الانتخابية ملطخة بالعيوب والانحرافات غير الديموقراطية، واذا كانت الانتخابات تفتقر ايضا الى تعريف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، وبأصول العمليات الانتخابية، واذا كانت المعايير الدنيا لديموقراطية الاجراءات الانتخابية غير محددة، او معروفة او منشورة.

ويرى الباحثون ان ثمة وقائع كثيرة عن عيوب اعترت الانتخابات، لكن لم تجر محاولات جدية لاستخلاص الآليات غير القانونية التي تسبق العمليات الانتخابية وترافق عمليات الاقتراع، وصولا الى الاساليب غير المشروعة اثناء الفرز واعلان النتائج، من اجل استخراج الافكار العملية لنزاهة الادارة الانتخابية وديموقراطيتها، لأن كل نظام انتخابي، حتى وان اعتبر جيدا يتحول بعد مدة، وبفعل مرور الزمن نظاما سيئا، لأن استمراره لوقت طويل ينتج منه نشوء خبراء في الانتخابات، وفي سير العمليات الانتخابية، وفي امكانهم الفوز ليس لأنهم الاكثر شعبية، بل لأنهم بفعل الخبرة الاكثر مهارة في التحكم في الماكينة الانتخابية، وفهم الاساليب والطرق التي يعملون على استثمارها لمصلحتهم.

ففي لبنان تتوافر تخمة من الدراسات والسجالات القانونية، بينما نفتقر الى الدراسات الميدانية عن الناحية "الادارية" للانتخابات، وتتميز اكثر الابحاث عن قانون الانتخابات بطابع مصلحي، وتفتقر الى المقاربة الميدانية لاساليب التزوير في الادارة العملانية للانتخابات على مستوى اللوائح، والتصويت، والتوقيع والسجلات ونقل الصناديق واعلان النتائج.

فلبنان يحتاج الى دراسات ميدانية عن الادارة التفصيلية للانتخابات، لأن دقة التفاصيل الادارية، والتعريف بها يجعلان التزوير صعبا او على الاقل اكثر صعوبة لتمريره بين الناس.

 

تقنيات التزوير كثيرة

الباحث الدكتور طوني عطاالله الذي تابع ميدانيا موضوع التزوير الانتخابي، وله في هذا المجال كتاب بعنوان "تقنيات التزوير الانتخابي وسبل مكافحتها"، اكد في حديثه لـ"النهار"، ان تقنيات التزوير التي تسبق العملية الانتخابية تتضمن مجموعة الاساليب المتبعة لتزوير ارادة المواطنين عبر اشكال من التدخل قبل يوم الاقتراع، وأثناء سير العملية الانتخابية والفرز، واعلان النتائج.

ورأى عطاالله في شرحه اساليب التزوير ان السلطة الحاكمة وقبل ان تصل الى مرحلة التدخل العلني المباشرة في عمليات التصويت "كالتلاعب بالاوراق الموضوعة في صناديق الاقتراع، او القيام باستبدال المحاضر الرسمية، فانها تملك اكثر التقنيات وقعا وتأثيرا في الانتخابات. وبوصفها السلطة المسيطرة، فهي لا تتورع عن استخدام نفوذها لتحسم جزءا كبيرا من العملية الانتخابية ومن تملك مواقع النفوذ والقرار في مجلس النواب فتنشط للتأثير على مستويين: تقطيع الدوائر الانتخابية من جهة، والافادة من موقع السلطة المميز للتأثير في تاليف اللوائح من جهة ثانية".

ومن تقنيات التزوير التي تسبق العملية الانتخابية "الاخطاء في قوائم الناخبين التي تعدها وزارة الداخلية، فهي قوائم بدائية وتنقصها الدقة، وتحوي اسماء واشخاصا من مواليد القرن الفائت باتوا في عداد الاموات، وتحرم هذه القوائم بعض من بلغوا سن الانتخاب القانونية (21 سنة وما فوق) حق الانتخاب لأن اسماءهم لم تدرج فيها. ومن الاخطاء الشائعة في القوائم الانتخابية وجود اسماء النساء المتزوجات حديثا في مكان قيد نفوسهن الاصلي وفي محل اقامة ازواجهن في آن، الامر الذي يسمح لكل واحدة بالاقتراع مرتين".

ويعتبر عطاالله ان اجراء تشكيلات وتعيينات جديدة لمصلحة الموالين للسلطة تلعب دورا اساسيا في هذا الاطار وتشكل عاملا مهما في عوامل التزوير. فقديما "كانت تقع تجاوزات أمنية في الانتخابات الى درجة ان كثرة وقوع الحوادث اوجدت ما يشبه العرف القاضي بعدم جواز اجراء تشكيلات جديدة في صفوف الموظفين، او نقل المسؤولين عن المراكز الامنية، او حتى تعديل الاوضاع بالنسبة الى المخاتير قبل الانتخابات بوقت وجيز كوسيلة بيد السلطة للتحكم في نتائج الانتخابات. فكان من المتعارف عليه مثلا الامتناع عن تغيير رئيس مخفر قوى الامن في منطقة قلم الاقتراع في فترة الشهرين او الثلاثة التي تسبق الانتخاب. وتجميد التشكيلات للمحافظين او لمأموري الاحوال الشخصية او لرؤساء المخافر مرده ان السلطات الادارية المشرفة او القوى الامنية بوصفها الحامية سلامة الاقتراع لها تأثير كبير في مجريات الانتخابات والنتائج. فاذا تم استبدال رئيس مخفر بآخر، او موظف اداري في الداخلية بآخر فمعنى ذلك  ان الرئيس الجديد يحمل تعليمات سياسية، وهو آت بهدف انتخابي، وهو اكثر تجاوبا ممن سبقه مع التعليمات الرسمية، ومنعدم الحياد، بحيث يسكت عن الانتهاكات الصادرة عن مناصري المتنفذين، بينما يستفز هو معارضيهم".

 

لتأليف اللوائح حصة

ولعل الابرز في اساليب التزوير التي تسبق العمليات الانتخابية طريقة تأليف اللوائح، وما يشاع عنها، اذ يتم تأليف اللوائح عبر حجز المقاعد مسبقا لمرشحين في اللوائح الرسمية التي تجمع عددا قليلا من الزعماء الشعبيين، الى جانب عدد اكبر من المرشحين الضعفاء الذين لا يمثلون الا قلة في مجتمعهم ولكنهم يحظون بدعم الباب العالي.

ورأى عطاالله ان لبنان يشهد اليوم نزعة الى تحوير الانتخابات وتنظيمها على الطريقة العربية التي تفقدها الطابع الديموقراطي التنافسي "وما يشاع عن اللوائح الرسمية من ان فوزها مضمون،  يعد في مثابة ضربة قاضية ضد الانتخابات والنظام الديموقراطي. وعندما يتجاوز حجم الدائرة الانتخابية 5 او 6 مقاعد ونطبق نظام انتخاب اكثريا فان تشكيل اللوائح هو الذي يقرر سلفا النتائج بواسطة الناخبين الكبار الذين يؤلفون "لوائح محادل"، تضعف حظوظ التنافس الفعلي".

تؤكد الزميلة هيام قصيفي في دراسة لها باشراف ملحم شاوول بعنوان "التزوير الانتخابي على مر العصور" (النهار 25/7/1996) "انه في انتخابات 1992، ردد عدد من المرشحين عبارات مثل "سننجح بأصواتكم ومن دونها، فلماذا تسوّدون وجوهكم معنا؟" و"سواء شاركتم في الانتخابات ام لم تشاركوا فيها نحن آتون غصبا عنكم".

ورأى نائب (رفض ذكر اسمه) ان اللوائح الائتلافية او التوافقية، ما هي الا لوائح مفروضة من جهات امنية ومراجع سياسية كبرى محلية واقليمية على الناس، بهدف ايصال الذين ينعمون بتأييد الجهات الفاعلة والحزبية والامنية خصوصا.

وعادة تبذل القوى المسيطرة محاولات حثيثة لمنع تأليف لائحة ثانية تنافس لائحة الامر الواقع، واذا تجرأ مرشحون على البحث في مثل هذا الطرح تنهال عليهم اتصالات التهديد.

 

توقيت الانتخابات

ومن الاساليب والوسائل التي تتبعها السلطة: اعلان توقيت الانتخابات، اذ يمثل التوقيت سلاحا في يد السلطة تستعمله لمصلحتها باختيارها توقيتا متأخرا جدا لاعلان قانون الانتخابات الذي تفاجىء به معارضيها.

فتأخير صدور قانون الانتخاب في الوضع اللبناني الراهن يصب في مصلحة من هم في مركز القرار ، ما يسمح لهم بترجيح احتمالات فوزهم والبقاء في الحكم بسبب المهلة القصيرة جدا التي تلحظ للحملة الانتخابية.

وفي نظر عطاالله: "ان المهلة الكافية لإقرار قانون الانتخابات يفترض الا تكون مثلا اقل من ستة اشهر، بل اكثر، وهي ضرورية لكونها تمثل ضمانا لعدم مباغتة المرشحين والناخبين ولاعطائهم الوقت الكافي والوسائل اللازمة لتحضير المعركة الانتخابية والتبشير بمواقف وبرامج مختلف المرشحين في كل الدوائر الانتخابية".

ولأن للاعلام دوره الاول في تحديد سير العملية الانتخابية ونتائجها يرى عطاالله "انه اذا لم تتوافر لجميع المرشحين من دون استثناء الفرص المتساوية في استخدام الاعلام ووسائله الخاصة والرسمية، بحيث يكون لكل منهم الحق في المعاملة المتساوية في مساحة اعلامية محددة تُعطى لهم منعا للاحتكار والمحاباة، عُد ذلك تزويرا للانتخابات نظرا الى ما ينطوي عليه هذا الاخلال من ترجيح فوز بعض المرشحين على غيرهم. ومن الضمانات الجوهرية لجدوى الانتخابات ونزاهتها ان يكون من حق المرشحين ان يتعامل معهم الاعلام بعدالة، فتكون في التلفزيونات والاذاعات والصحف مساحات إعلامية للمرشحين توزع عليهم بالتساوي، فلا تكون الاجهزة الاعلامية كلها لفئة معينة من المرشحين دون سواها".

 

دور المال

أما عن دور المال في الانتخابات والرسم المالي على الترشح، فان عدداً كبيراً من الباحثين يؤكدون أن الضمانة المالية التي يفرضها قانون الانتخاب تعتبر في مثابة القيد المفروض على كل من يرغب في الترشح للانتخابات النيابية، وهذا بالطبع يتنافى ويتعارض مع الأصول الديموقراطية.

وذكّر الدكتور عصام سليمان أن مشروع القانون الذي ارسلته الحكومة عام 1992 الى مجلس النواب كان يحدد الضمانة المالية بخمسة ملايين ليرة لبنانية، لكنه اثناء المناقشة، وقف أحد النواب في المجلس مطالباً برفعها الى عشرة ملايين ليرة،  لكي لا يفسح المجال لأي كان (على حد زعمه)، ليرشح نفسه للنيابة". فما كان من المجلس الا ان وافق على اقتراحه واضعاً بذلك قيداً مالياً مضاعفاً على حق الترشح، في وقت تتجه الانظمة الديموقراطية الى الغاء هذا القيد او حصره.

ومن تقنيات التزوير الانتخابي التي تسبق العملية الانتخابية يذكر الدكتور عطالله: "عدم التقيد بالاصول القانونية لموانع الترشح، ونشر استطلاعات الرأي في الاسبوع الاخير من نهاية الحملة الانتخابية".

اما عن اساليب التزوير التي ترافق عمليات الاقتراع، فهي برأي عطالله كثيرة ومنوعة وأهمها: المخالفات في تأليف هيئات أقلام الاقتراع، ففي يوم الانتخاب يتخلف عدد من الاشخاص المعينين لتسلم مكاتب الاقتراع عن الحضور الى المركز فيتم استبدالهم خلافاً للاصول بعناصر من قوى الأمن، أو من الأمن العام، أو من أمن الدولة او الشرطة القضائية.

وفي هذا الاطار تحدث الوزير ألبر منصور عما جرى في الانتخابات النيابية في بعلبك صيف 1992 وقال: "مساء السبت 22 آب 1992، اي عشية الانتخاب، حضرت شاحنة من وزارة الداخلية في بيروت محملة صناديق اقتراع أفرغتها في ساحة سراي بعلبك، وأُعلم القائمقام ان عليه تدبر أمر رؤساء الاقلام والمسؤولين في الانتخابات لأن احداً من المعنيين لم يحضر، فتسلم فوراً "حزب الله" صناديق الاقتراع وعين للصناديق الاربعمئة ونيف رؤساء أقلام تابعين له من موظفين وغير موظفين، معظمهم من الأشقاء والأقارب، والمناصرين لمرشحي "حزب الله"، وفرض على القائمقام تدوين اسمائهم وأُعلنوا كرؤساء أقلام رسميين. تسلّم كل من المعنيين صندوقاً وتوجه به في اليوم التالي الى مركزه مع تعليمات وتوجيهات واضحة بحسن التصرف. فحيث لا وجود لـ"حزب الله"، مهمة رئيس القلم عرقلة الانتخاب والتبحر في الشروط والتمهل في اجراء الانتخاب كي ينتخب أقل عدد ممكن، وان امكن تعطيل الانتخاب كما حصل في بلدة عرسال".

 

العازل: قصة تتجدد

ومن تقنيات التزوير الانتخابي في الاقتراع، وضع الاقلام من دون عازل او قرطاسية، اذ رأى الرئيس حسين الحسيني في حديث له ان: "لا حرية بلا سرية  "وهذا المبدأ طبق للمرة الاولى في لبنان بموجب الاصلاحات التي ادخلت على القانون الانتخابي في عهد كميل شمعون فقبل ذلك كان الناخبون يصوتون تحت اعين السلطة، وكانت الانتقامات تمارس بعد ذلك ضد المعارضين، فكان الناخب يصوّت في جو من الترهيب".

وفي بعض الانتخابات تم خرق مبدأ سرية الانتخاب على نحو فاضح، كما حصل في انتخابات عام 1992، عندما تركت أقلام اقتراع من دون معازل انتخابية يشترط قانون الانتخاب وجوب توافرها (المواد 47 و49 و50). وفي رأي الدكتور عطالله "ان اجتهاد المجلس الدستوري الذي يقول بعدم إلزامية المعزل الانتخابي، انتهاك لقانون الانتخابات".

يتوقف أحمد ناصر (أحد الناشطين في الماكينة الانتخابية عام 2000 في بيروت) عند لجوء عدد من المواطنين في أحد اقلام الاقتراع في بيروت في انتخابات عام 2000 النيابية "الى التصويت بشكل علني، وامام اعين الجميع، لعدم وجود عازل سري، الأمر الذي اثار اعتراض البعض، حيث تم وضع العازل بعد مرور ساعات على بدء العملية الانتخابية... وكل ذلك لم يؤخذ به ولم يحرك ساكناً...".

ووضع العازل لا يكفي، بل يجب عدم مخالفة اصول استعمال هذا العازل، اذ يرد في المادة 49 من قانون الانتخاب: "يسلم رئيس القلم ظرفاً الى الناخب فيخلو بنفسه من دون ان يبرح قلم الاقتراع في المعزل المعد لحجبه عن الانظار ويضع في الظرف ورقة واحدة للاقتراع تشمل اسماء بقدر عدد النواب الذين يراد انتخابهم، ولا يجوز ان تشمل على اكثر من هذا العدد".

وفي رأي عطالله" ان اقدام الناخب على مخالفة اصول استخدام العازل ينطوي على مهانة بحقه، لأنه يكون فريسة خوف وجبانة من هيمنة المندوب. لذلك من واجب رئيس القلم دعوة كل ناخب الى احترام القانون واستعمال العازل، اذ لا يمكن توخي نتائج موثوقة من دون ممارسة الديموقراطية وتطبيق الانظمة المتعلقة بها والقوانين".

ومن المخالفات الاخرى في هذا الاطار "مكان وضع العازل وعدم تزويده المستلزمات المكتبية"، وهذا مخالف للمادة 47 من قانون الانتخاب، وهدف هذه المخالفة الحد من حق الناخب في التشطيب واستبدال أسماء المرشحين، الأمر الذي يؤدي الى إنزال اللائحة كاملة.

وذكر "ناشطون في ماكينات انتخابية" مخالفات ارتكبت في الانتخابات النيابية عام 2000 في الجنوب، بوجود أشخاص غير مرخص لهم الدخول الى اقلام الاقتراع، على مرأى من العناصر الأمنية، حيث كانوا يتولون استقبال الناخبين بالترحاب، ويتوجهون معهم الى داخل الغرفة، متوجهين اليهم بكلام الاطراء والمديح: "... البيك او الزعيم... بيسلم عليكم... وبيسأل خاطركم". وكان آخرون يطلبون من بعض المقترعين التصويت لمرشح معين"، ويترافق طلبهم "بوعود معسولة في المستقبل"... وكل ذلك كان يجري بالتواطؤ مع رؤساء الاقلام!!

ويروي عبدالله ع. كيف "عمد أزلام أحد المرشحين في منطقة المتن في الانتخابات الفرعية التي جرت عام 2002، الى مرافقة بعض المقترعين الى داخل العازل امام الجميع، وبـ"تطنيش" من رئيس القلم!!".

المهندس حسان قانصوه (مسؤول الماكينة الانتخابية في لائحة "قرار بعلبك") تحدث عن تجاربه وملاحظاته في هذا الاطار، فأكد ان الوجود المكثّف للمندوبين داخل مراكز الاقتراع من شأنه التأثير على توجهات الناخب، بسبب الأجواء الضاغطة التي يخلقها هؤلاء، وتضييقهم على الناخبين الموالين للائحة المنافسة كما يحصل دائماً في اقلام الاقتراع في بعلبك. ومثال ذلك لجوء عدد من مندوبي لائحة "أبناء بعلبك" في الانتخابات البلدية التي جرت في أيار الماضي الى تشكيل حاجز بشري امام المواطنين في أحد اقلام الاقتراع لعرقلة دخولهم كي لا يصوتوا للائحة المنافسة".

يرى الباحث نواف كبارة انه في انتخابات 1992 النيابية (وهي الانتخابات الاولى في لبنان بعد الحرب) "لم يكن هناك عدد كاف من رؤساء الاقلام لتغطية كل مراكز الاقتراع، مما ارغم وزارة الداخلية على الاستعانة، بموظفين محليين على نحو مخالف للقانون الانتخابي... ولم يجر اي تدريب لرؤساء الاقلام على الدور المطلوب منهم، وكيفية الحفاظ على اصول العملية الانتخابية".

يعتقد الدكتور طوني عطاالله "انه يمكن التزوير عبر التأثير في ادارة العملية الانتخابية بتعيين مندوبي الحكومة لرؤساء اقلام ومعاونين. مثلا: اذا ارادت السلطة مواجهة فريق معين في منطقة ما فقد يعمد رئيس القلم المعين من وزير الداخلية الى عرقلة عملية الاقتراع برمتها. ففي امكان رئيس القلم ان يقرأ اسم "حسن" بدلا من "غسان" او "جورج" بدلا من "جوزف" او "مسعود" بدلا من "سعود" وهذا ما كان يحصل في دورات الانتخابات المختلفة..."

كما ان غياب مندوبي المرشحين له تأثيراته في هذا الاطار "فالمسؤولية المباشرة لرؤساء الاقلام في افساد الاقتراع قد يقابلها عجز من جانب بعض المرشحين الذين لا يملكون ماكينة انتخابية لضبط العملية الانتخابية. ويمكن القول ان ظروف اجراء الانتخابات، والتدابير المرتجلة عند كل اطراف المعركة الانتخابية، والمباغتة الحكومية في توقيت الانتخابات وخرق اصول الديموقراطية، ومنع المندوبين من دخول مراكز الاقتراع للاشراف على العملية، وخصوصا اذا كانوا جبناء، وعدم وجود مندوبين مثقفين يزيلون المخاوف من التزوير وضعف  الاحزاب وانحسار تأثيرها داخل مناطق وطوائف، فضلا عن عدد من العوامل الاخرى المؤثرة تسهل ممارسة التزوير".

ويشير الباحث نواف كبارة في هذا الصدد الى ما ذكره احد المرشحين في انتخابات 1992 في الشمال "عن قيام ازلام احد الزعماء بوضع الارقام في احدى المناطق والتي كان يتم فرضها على رئيس القلم فيوقعها مستندا الى تبليغ صرح له به احد رؤساء الاقلام".

 

البطاقة الانتخابية

اما البطاقة الانتخابية فتبقى في نظر كثيرين "علة العلل" للشوائب والاخطاء التي تعتريها. اذ اكد عدد من الناشطين في الماكينات الانتخابية النيابية والبلدية حصول اخطاء كثيرة في البطاقات الانتخابية للمقترعين، تتعلق بالاسماء، وتواريخ الميلاد، وحتى جنس المقترع: "ذكر ام انثى"!! اضف الى ذلك عدم حصول عدد من المواطنين على بطاقاتهم الانتخابية بتواطؤ من السلطات المختصة التي تعمد الى اصدار البطاقات لبعض "المرشحين المدعومين"، وتأخير اصدار بطاقات المرشحين المنافسين، والمعارضين.

وسُجلت حالات تزوير كبيرة في البطاقات الانتخابية اثناء الانتخابات البلدية في ايار الماضي في البقاع وبيروت، كما عمدت احدى الجهات المؤثرة والفاعلة الى اصدار بطاقات انتخابية بواسطة مطبعة خاصة بها، وتم عرض نماذج منها على وسائل الاعلام.

وذكر المهندس حسان قانصوه (مسؤول الماكينة الانتخابية في لائحة "قرار بعلبك") بعض هذه الحالات التي حصلت في الانتخابات البلدية في مدينة بعلبك في ايار الماضي. فأكد ان ح. ل طلب "من ابنة اخته احضار صورة شمسية لها قبل اقفال صناديق الاقتراع بنصف ساعة، واصدر لها بطاقة انتخابية، انتخبت بواسطتها".

وتابع: "كما ان محمد ي. فوجىء ان هناك من اقترع عنه وعن زوجته وفق بطاقات انتخابية مزورة..."

اما ع.م فقد اخبرنا ان "احدى السيدات من اقاربه "عادت مقهقهة" بعد اقفال الصناديق ومتباهية بأنها انتخبت سبع مرات في نفس صندوق الاقتراع، بأسماء مختلفة، كونها ترتدي حجابا وتغطي وجهها بـ"البرقع"!!

فيما اشار ط.ل. الى حصول عمليات تزوير فاضحة اثناء الانتخابات البلدية الماضية في بعلبك، اذ تبين له ان حوالى سبعة اشخاص من اقاربه المقيمين في بلجيكا، قد تم التصويت عنهم وببطاقات انتخابية أُصدرت لدى احدى الجهات الحزبية. وانه اعترض اثناء عمليات الاقتراع "على اشخاص حاولوا التصويت مرة ثانية ببطاقات انتخابية تحمل اسماء غيرهم فما كان من رئيس القلم الا ان اكتفى بطرد هؤلاء الاشخاص بدلاً من ان يتم توقيفهم بواسطة قوى الامن".

وفي رأي المهندس قانصوه ان السلطة المركزية تلعب دورا في انجاح تقنيات التزوير. "فتوزيع اماكن اقلام الاقتراع يساهم في كثير من الاحيان في حرمان البعض حقهم في التصويت وخصوصا عندما تكون مراكز الاقتراع في مناطق بعيدة ونائية وتحت تأثير فئة او حزب او جهة سياسية وهذا ما يدفع بأهالي هذه المناطق الذين يقطنون في العاصمة او في مناطق اخرى الى الاحجام عن المشاركة في التصويت والاستغناء عن هذه المهمة، كما حصل ذلك مع عدد من المسيحيين من ابناء بعلبك، ومنهم من غادر مركز الاقتراع من دون الادلاء بصوته بسبب ما تعرض له من مضايقات من جهات مرشحة لأن هذه الجهات على دراية ومعرفة بتوجهات الناخبين المسيحيين".

اضاف قانصوه: "ثمة بطاقات انتخابية عدة فقدت وتبخرت  بسحر ساحر ولم ندر لماذا.؟ وبطاقات اخرى كانت الاخطاء فيها متعمدة".

 

تصويت المحجّبات

ورأى الدكتور طوني عطاالله ان ثمة مشكلة في تصويت النساء المحجبات "وخصوصا اللواتي يغطين وجوههن وفق تقاليدهن الدينية، بحيث لا يمكن التعرف الى الناخبة المحجبة من قبل رئيس القلم بسبب هذا الوضع، لذا يجب اعتماد طريقة لحل هذه المشكلة تقضي بأن تقوم المحجبة بالتوقيع عبر "البصم" بحبر لا يزول عن الابهام الا بعد  مرور 24 ساعة. ففي طرابلس وحدها على سبيل المثال يقدّر زعماء العائلات السياسية ومسؤولو الحملات الانتخابية عدد النساء المحجبات اللواتي ينتخبن بحوالى 1500 امرأة، تصوت كل واحدة منهن بمعدل ثلاث مرات، اي ما مجموعه 4500 صوت تمثل نحو 4،5 في المئة من مجموع الناخبين الفعليين.

وموضوع انتخاب النساء المسلمات شكل تاريخيا مشكلة في هذا الاطار. وفي رأي الرئيس حسين الحسيني انه تاريخيا وجدت ثغرة قانونية في شأن تذاكر الهوية خصوصا لدى النساء ولاسيما المسلمات منهن "حيث ان حق الاناث بالاقتراع لم يصبح عاما وشاملا جميعهن بالمساواة مع الذكور الا في عهد الرئيس كميل شمعون بموجب القانون الصادر في 24 نيسان 1957. لكن العرف، وليس النص، قضى الا يكون على بطاقات الهوية صورة شمسية لصاحبة العلاقة، الامر الذي اوجد امكانات واسعة لأن تصوت نساء بدل نساء غائبات، وحتى من دون معرفتهن، الامر الذي مثّل احد عناصر الانتهاك ضد القانون الانتخابي".

 

لوائح الشطب

اما الاخطاء التي تقع في لوائح الشطب فهي مشكلة تتكرر في كل موسم انتخابي، وخصوصا في ظل غياب المكننة، والاحتفاظ بسجلات نفوس اعترتها شوائب واخطاء، وبسبب التلاعب الذي يحصل في هذه اللوائح من بعض الجهات والسلطات لأسباب انتخابية.

وعدم تصحيح لوائح الناخبين ادى الى حرمان عدد من الناخبين ممارسة حقهم في الانتخابات. فتصحيح الاسماء يوم الانتخابات تعترضه صعوبات كثيرة، نظرا الى كثرة الاخطاء وعدم وجود المراكز الكافية لذلك. كما ان عدم شطب اسماء الاموات يفسح في المجال لحدوث التجاوزات. وتقع المخالفات... نتيجة التصويت عن ناخبين مهاجرين، او اموات لا تزال اسماؤهم مسجلة في لوائح الناخبين، وحتى عن ناخبين ليسوا بمهاجرين.

ففي انتخابات عام 1992 على سبيل المثال شكت المواطنة جومانة جابر من برج ابي حيدر، انها تقدمت للادلاء بصوتها في قلم اقتراع منطقتها، لكنها وجدت ان اخرى اقترعت بدلا منها، وصادق رئيس القلم على ذلك على رغم انها لم تقترع.

اما اميل ن. الذي كان واحدا من فريق العمل الانتخابي لوزير لبناني راحل، فقد اكد انه قام مع عدد من اصدقائه بالتصويت "للوزير المرشح" بأسماء اشخاص تبين انهم مقيمون في الخارج، وان احد المواطنين في انتخابات عام 2000 النيابية قام بالتصويت عن رجل توفي بتاريخ 12/10/1960 لا يزال اسمه واردا في لوائح الشطب في احد احياء بيروت حتى اليوم!

وفي رأي الباحثين انه عندما يكون عدد الاشخاص الذين سقطت اسماؤهم من لوائح الشطب مرتفعا في احد اقلام الاقتراع، فلا بد من الشك في ان وراء هذا الواقع غاية معينة هي حرمان بعض المواطنين حقهم في التصويت، ومنع احد الاطراف المتنافسة من الافادة من اصواتهم. ويتعين على المندوبين تدوين اسماء جميع هؤلاء الناخبين المحرومين لتكوين اساس ملف يرمي الى الطعن بنتائج الانتخابات.

 

اساليب لا تنتهي

ومن تقنيات التزوير ايضا العمل على حشر لوائح ناخبي الاقليات في اقلام معزولة عن سائر المجموعات والطوائف التي تتمتع بتفوق عددي نسبي في احدى المناطق، بحيث تخرق هذه التقنية مبدأ سرية الانتخاب، اذ تكشف التوجه العام لاقتراع الناخبين لدى فئات الاقلية.

ويسرد الدكتور انطوان عطاالله في كتابه "تقنيات التزوير الانتخابي وسبل مكافحتها" نماذج اخرى عن تقنيات التزوير ومنها:

- افتعال الحوادث المسلحة، والاخلال بالامن في احد اقلام الاقتراع حيث التوجه العام للاصوات مناوىء للمحرضين.

- تقييد الحريات وفرض القيود على تنقل بعض الناخبين، وممارسة الضغط بواسطة القوات المسلحة، وتهديد مصالح الناخبين والمرشحين، واستخدام وسائل الضغط والاكراه.

اما اساليب التزوير اثناء الفرز واعلان النتائج فهي:

- غياب معايير للفصل في صحة الاوراق الباطلة لدى لجنة قيد الاسماء وامكان طغيان العامل الشعوري على بعض اعضاء اللجنة.

- اجراءات تدوين الاصوات واحتسابها في مراكز الاقتراع وامام لجنة القيد، اذ انه من المخالفات التي تؤثر مباشرة في النتائج اقفال صندوق الاقتراع قبل ان يكون الناخبون الحاضرون في باحة قلم الاقتراع قد اقترعوا.

- الغش في اثناء الفرز، والذي يجري احيانا بتواطؤ بين رئيس القلم والمندوبين عندما يكونون من لون سياسي واحد.

- التلاعب بالاصوات امام لجنة القيد.

- انتهاك حقوق الرقابة الممنوحة للمرشحين. ففي زحلة راجت الشائعات عن عمليات تزوير مورست  لمصلحة مرشحين من اللائحة الرسمية حين اقدم كبار الموظفين الاداريين على اخراج الصحافيين والمراقبين الذين كانوا يتابعون النتائج وجمع الاصوات في مركز المحافظة عام 1996.

- الاساليب البدائية في عمل لجان القيد. ففي محافظة الشمال مثلا لم يكن يوجد سوى لجنة قضائية واحدة لفرز اصوات 101 مرشح في الانتخابات النيابية عام 1992، وتم حل هذه المشكلة بتعيين لجان فرز  جديدة، ولكن بعد مرور بضعة ايام على الانتخابات، الامر الذي اثار جوا من البلبلة والتشكيك.

وكان وزير الداخلية الاسبق ميشال المر قد اشار في تصريح له ورد في جريدة "النهار" في 7/3/1996، بأن "...الاستعدادات للعملية الانتخابية ولاسيما موضوع تطوير الفرز من العنصر البشري الى العنصر الآلي او المكننة باتت جاهزة، وان الملف جاهز وسيعرض على مجلس الوزراء بعد اسبوعين تقريبا". ولكن بعد مرور اشهر على ذلك التاريخ لم يعد احد يتحدث عن الموضوع، وبات من شبه المؤكد ان انتخابات عام 1996 لن تكون مختلفة من ناحية الفرز اليدوي عن سابقاتها، وهكذا كان!!

- ادخال طريقة البصم بدلا من التواقيع وتطوير الاساليب الادارية. اذ رأت الباحثة انطوانيت شامي سعيد انه يمكن الحد من التلاعب الناجم عن النساء المحجبات الذي "يضمن" نسبة من التزوير، عبر الزام الناخبة على البصم بنوع من الحبرالاحمر، يحوي مادة مثبتة لا يمكن ازالتها عن الابهم في يوم الاقتراع، والى ان يتم اعتماد هذا الاجراء رسميا لا حل سوى إلزام المرأة المحجبة الكشف عن وجهها امام المندوبات في القلم ليتعرفن اليها.

- فقدان الثقافة الانتخابية لدى الهيئات الناخبة، وهذا ما يتطلب ضرورة المراقبة، وتشجيع التثقيف الانتخابي، اذ يكون ضعف الثقافة الانتخابية لدى المواطن اللبناني عاملا مساعدا على نجاح الخروق ضد القانون الانتخابي.

ويقول النائب سامي الخطيب في هذا الصدد: "عام 1992 حين جرت الانتخابات بعد عشرين سنة من الانقطاع عن ممارسة هذا الواجب الديموقراطي، لم يكن لدى وزارة الداخلية اي موظف باستثناء المدير العام، ومحافظ الجنوب فقط كاداريين في الجمهورية اللبنانية كانا يملكان بعض الخبرة القديمة لكونهما قاما في الماضي بتنظيم انتخابات".

- تولي المرشحين تأمين رؤساء الاقلام.

- التزوير اثناء نقل الصناديق وحالات فقدانها واستبدالها، لأن تأخر وصول الصناديق والنتائج من مراكز الاقلام الى مركز المحافظة او القضاء حيث تجمع الاصوات، يترك الشكوك تحوم حول دوافع التأخير واسبابه والجهات او الاجهزة المسؤولة عنه، والطريق الذي تسلكه الصناديق والمحطة التي تستريح فيها قبل متابعة طريقها، وبلوغ مقصدها الاخير.

- اختفاء علب الاقتراع.

***

اخيرا، ان سلامة الانتخابات تؤمن الاطمئنان لدى اللبنانيين وتشكل الاطار الذي يشعر المواطن من خلاله بأنه يستطيع ايصال من يمثله وفق الاطر الديموقراطية السليمة، بعيدا عن تدخلات الاجهزة بكل انواعها وجنسياتها. وهذه الانتخابات النزيهة تدخلهم في الحياة السياسية المستقرة، الامر الذي يؤدي الى المشاركة عبر تفعيل الهرم الرسمي التمثيلي لأنه وفق تركيبة النظام السياسي والاداري المتبع في لبنان،  يحل المخاتير والهيئات الاختيارية في ادنى مراتب هذا الهرم، ثم البلديات ورؤساؤها والاتحادات البلدية في مرتبة اعلى، ثم مجالس الاقضية، فمجلس النواب، فرئاسة الجمهورية في القمة.

لذا يجب عقد الندوات في مختلف المناطق اللبنانية واشراك الناس في وضع قانون للانتخاب، وبالتالي يجب توعية المواطن عبر وسائل الاعلام، واصدار المطبوعات، لمعرفة كل حيثيات وتفاصيل عمليات الاقتراع وطرق ووسائل التزوير التي يلجأ اليها النافذون والزعماء واصحاب القرار والسلطة والاجهزة...

ويؤكد الدكتور طوني عطاالله اخيرا ان "على الانتخابات ان تؤدي الى نتيجة جيدة على صعيد التحول الديموقراطي. فاذا لم يحصل هذا التحول فاننا في طريقنا الى حروب اهلية".